أخبار الأردن اقتصاديات دوليات برلمانيات وفيات أحزاب مجتمع وظائف للأردنيين أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات مقالات مختارة مناسبات جاهات واعراس مستثمرون شهادة الموقف جامعات بنوك وشركات خليجيات مغاربيات دين رياضة اخبار خفيفة ثقافة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

أبو زيد يكتب: فِلَسْطِين… عَنْقَاءُ التَّارِيخِ الَّتِي تَنْهَضُ مِنْ رَمَادِ التَّغْرِيبَة


زيد أبو زيد
أمين سر المكتب السياسي لحزب مسار

أبو زيد يكتب: فِلَسْطِين… عَنْقَاءُ التَّارِيخِ الَّتِي تَنْهَضُ مِنْ رَمَادِ التَّغْرِيبَة

زيد أبو زيد
زيد أبو زيد
أمين سر المكتب السياسي لحزب مسار
مدار الساعة ـ
بين صخب الحروب الدولية وتقلبات السياسة، تبقى فلسطين القضية التي لا تنطفئ جذوتها، والشعب الذي ينهض في كل مرة مثل العنقاء من رماد التغريبة.

في الشرق الأوسط حروبٌ تشتعل ثم تنطفئ، وحدودٌ تُرسم ثم تتبدل، وتحالفاتٌ تولد ثم تتبدد، غير أن حقيقةً واحدة بقيت عصيّة على التبدل منذ أكثر من سبعين عاماً: اسمها فلسطين.

في عالمٍ تضج سماؤه بأصوات الطائرات والمسيّرات، وتضطرب خرائطه تحت وقع الصراعات الكبرى، تبدو المنطقة اليوم وكأنها تقف على حافة مواجهة واسعة بين إيران من جهة، والولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل من جهة أخرى. غير أن مثل هذه الحروب، مهما اشتدت نيرانها، لا يمكن أن تستمر طويلاً، لأن كلفتها تتجاوز حدود الجغرافيا السياسية لتصيب قلب الاقتصاد العالمي.

فاضطراب منابع النفط والغاز، وتعطّل سلاسل التوريد الغذائية والنفطية، وتهديد الملاحة الجوية والبحرية في الممرات الدولية، كلها عوامل تجعل العالم بأسره يدفع ثمن الحرب، لا أطرافها المباشرة فحسب. ولهذا فإن منطق المصالح الكبرى سيقود عاجلاً أم آجلاً إلى إخماد هذه المواجهة، لأن الاقتصاد العالمي لم يعد قادراً على احتمال إغلاق الممرات الحيوية أو تعطّل حركة التجارة الدولية.

غير أن الحقيقة التي أثبتها التاريخ مراراً هي أن الحروب قد تتوقف، والهدن قد تُعقد، والتحالفات قد تتبدل، لكن قضية فلسطين تبقى الحقيقة الثابتة في قلب الشرق الأوسط، والعقدة التي لا يمكن تجاوزها في معادلة الاستقرار في المنطقة.

ففلسطين ليست مجرد أرضٍ متنازعٍ عليها، بل هي حكاية شعبٍ يقاوم النسيان، وقضية أمةٍ ما زالت ترى في القدس والمسجد الأقصى رمزاً للكرامة والهوية. وسيبقى الأقصى صرخةً في وجه الظلم، ونداءً يتردد في ضمير الإنسانية، خصوصاً حين يُحرَم المصلّون من الصلاة في رحابه، وتُفتح أبوابه لاقتحامات المستوطنين.

وهنا يبرز السؤال الكبير الذي يطرق أبواب الضمير الإنساني بإلحاح: لماذا تتحول المؤسسات الدولية التي أنشئت لحماية السلام إلى منصاتٍ لتشريع الحروب؟

لماذا يُستخدم مجلس الأمن وهيئة الأمم المتحدة أحياناً لتبرير النزاعات بدلاً من أن يكونا مظلةً لإشاعة السلام؟ ومتى تتحقق معايير عادلة بين الشعوب، تتيح لكل أمة أن تحقق حلمها المشروع في الاستقلال وإقامة دولتها الحرة وعاصمتها القدس؟

ولماذا تُوضع دول كثيرة تحت الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة حين تخالف القوانين الدولية، بينما لا يُطبَّق هذا المبدأ على إسرائيل، رغم ما ارتكبته من انتهاكات جسيمة، من إبادة وتشريد وتهجير للشعب الفلسطيني، ومصادرة للأراضي، وبناء للمستوطنات، ونشر للفوضى في الأرض المحتلة؟

إن هذه الأسئلة ليست جدلاً سياسياً عابراً، بل هي بحث عن عدالة دولية حقيقية، لأن السلام لا يمكن أن يقوم على ميزانٍ مختل، ولا على معايير مزدوجة.

وفي خضم هذا المشهد المعقد، يبرز الدور الأردني الحكيم بقيادة جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين بوصفه أحد الأصوات العربية الثابتة في الدفاع عن الحقوق الفلسطينية المشروعة، والداعية دوماً إلى حل عادل وشامل يفضي إلى إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة.

كما أن الوصاية الهاشمية على المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس تمثل ركناً أساسياً في حماية الهوية التاريخية والروحية للمدينة المقدسة، وهي وصاية راسخة في التاريخ ومعترف بها في الاتفاقيات الدولية، بما في ذلك معاهدة السلام الأردنية الإسرائيلية.

غير أن إسرائيل لم تتوقف عن انتهاك حتى هذا المبدأ، عبر الاقتحامات المتكررة للمسجد الأقصى ومحاولات تغيير الواقع التاريخي والقانوني في القدس، في انتهاك واضح للاتفاقيات التي وقعتها بنفسها، ودون أن يلقى ذلك الرد الدولي الحازم الذي يستحقه.

والحال ذاته يتكرر في اتفاق أوسلو الذي كان يفترض أن يقود إلى قيام دولة فلسطينية مستقلة، غير أن الواقع على الأرض يسير في الاتجاه المعاكس، حيث تتواصل عمليات الاستيطان، ومصادرة الأراضي، وهدم المنازل، واعتقال الأسرى الفلسطينيين، وكأن الزمن يسير إلى الوراء لا إلى الأمام.

وفي قانون الطبيعة يتنافر القطب السالب مع نظيره السالب، وكذلك يفعل القطب الموجب، لكن العجب كل العجب أن ترى كفاً عارية تقف في وجه مخرزٍ مدبب معدٍ للإيذاء.

غير أن العجب يزول حين نرى كفَّ المقاوم الفلسطيني في رام الله وغزة والقدس ونابلس والخليل وطولكرم وقلقيلية تواجه طعنة المخرز الصهيوني.

مرة ترفع قبضتها صارخة:

اخرج من أرضي… فهذه بلادنا.

ومرة تحمل حجراً في وجه دبابة معتدية.

ومرة يقف الأسير الفلسطيني شامخاً في وجه سجانه.

ومرة تتحول قبضة طفل فلسطيني إلى رسالة تحدٍّ في وجه الاحتلال.

وهنا تتجلى الحقيقة التي علمنا إياها التاريخ: أن الكف العارية قد تفل حديدة المخرز إذا سكنها الإيمان بالحق.

أي قلبٍ هذا الذي يسكن صدر المقاوم وهو لم يزل في عمر الزهور؟ وأي إرادة تلك التي تجعل شاباً أعزل يقف في وجه آلة عسكرية هائلة؟

كأن التاريخ يهمس للعالم قائلاً إن هؤلاء أحفاد قوم جبارين، يعرفون كيف يكون الرجال رجالاً، وكيف تكون النساء حفيدات خولة بنت الأزور.

فأرضٌ تنجب المقاومين جديرة بأن تكون أرض الرباط والجند، أرض الأقصى والقيامة، وسليلة عمر الفاروق وصلاح الدين.

ولعل التاريخ نفسه يشهد بأن للظالم جولةً لكنها لا تدوم، وأن الشعوب التي تؤمن بحقها لا تموت.

فالمقاوم الفلسطيني اليوم كالعنقاء، ذلك الطائر الأسطوري الذي ينهض من رماد النار أكثر قوة وصلابة، يحلق في سماء الحرية معلناً أن فجر الانتصار قادم مهما طال الليل.

لقد مرت عقود طويلة على التغريبة الفلسطينية، فتشرد الشعب وضاعت الأرض، وتوزعت المنافي من أقصى الأرض إلى أقصاها، وشاخ الأطفال قبل أوانهم، وكبر الأحفاد حتى صاروا أجداداً، لكن الحلم لم يمت.

ورغم أن القضية مزقتها حدود السياسة الضيقة، فإن الأمل ما زال حاضراً، لأن أمة رفعت راياتها يوماً من أقصى الأرض إلى أقصاها لا يمكن أن تموت.

صحيح أن عقوداً طويلة مضت، والضياع ما زال ضياعاً، والسفينة العربية تتقاذفها أمواج الفتن والحروب، وصحيح أن الكيان الصهيوني ما زال يهوّد الأرض ويهجّر الإنسان.

لكن الصحيح أيضاً أن السنديانة الفلسطينية ما زالت راسخة الجذور، عالية الجذع، وارفة الظلال.

وهكذا تبقى فلسطين العنقاء التي لا تموت، كلما ظن العالم أنها احترقت في رماد الهزيمة نهضت من جديد أكثر قوة وإصراراً.

قد يتعب التاريخ، وقد يطول الليل، لكن فجر فلسطين آتٍ لا محالة، لأن الشعوب التي تؤمن بحقها لا تموت… بل تعود دائماً مثل العنقاء من الرماد.

وستبقى فلسطين، مهما طال ليل التغريبة، البوصلة التي تشير دائماً إلى اتجاه الحرية.

مدار الساعة ـ