أخبار الأردن اقتصاديات دوليات برلمانيات وفيات أحزاب مجتمع وظائف للأردنيين أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات مقالات مختارة الموقف مناسبات جاهات واعراس مستثمرون شهادة جامعات بنوك وشركات خليجيات مغاربيات دين رياضة اخبار خفيفة ثقافة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

حوض اليرموك كحالة اختبار: رسائل الإنذار و'بقعة الزيت' في إدارة الجنوب السوريّ

مدار الساعة,أخبار عربية ودولية,إدارة الكوارث,الضفة الغربية,المسجد الأقصى
مدار الساعة (معهد السياسة والمجتمع) ـ
حجم الخط

مدار الساعة - في حادثةٍ لافتة في حوض اليرموك في ريف محافظة درعا الغربي، تلقّى عدد من السكان رسائل إنذار طوارئ على هواتفهم المحمولة، مصنّفة "درجة قصوى"، بأربع لغات (العربية، العبرية، والإنجليزية، والروسية)، رافقها تنبيهات صوتية واهتزاز تلقائي للهاتف، بما في ذلك قراءة آلية لمضمون الرسالة، والتي تدعو المتلقين إلى التوّجه إلى " أفضل مكان متاح للاحتماء" بالقرب منهم والبقاء فيه حتى إشعارٍ جديد، وذلك في ضوء التطورات في المنطقة. وبحسب المُعطيات والمصادر المحلية، تعدّ هذه المرة الثانية التي يُسجَّل فيها إرسال رسائل من هذا النمط في المنطقة؛ إذ سُجِّلَت المرة الأولى خلال حرب الاثني عشر يوماً بين إسرائيل وإيران في حزيران/يونيو 2025. وفي سياقٍ قريب، سبق أن ظهر نمط "فرض قواعد حركة" في ريف درعا الغربي وحوض اليرموك عبر منشورات ورقية أُسقطت فوق بلدة كويّا في نيسان/أبريل 2025 وأُرفقت بخارطة، وتضمنت حظر "التجول المسلّح" ومنع عبور طريق الوادي-الشريعة باتجاه حوض اليرموك.

تتجاوز أهمية هذه الرسائل المسألة التقنية ومضمونها الإجرائي -على أهميته- إلى ما تكشفه عن تحوّلٍ أوسع في أدوات السيطرة، خصوصاً أنها تأتي بعد سابقة كويّا التي حملت ملامح فرض قواعد حركة موضعية، ما يجعل الرسائل الجديدة مؤشراً قابلاً للقراءة ضمن مسار أوسع بما يعزز فرضية وجود مؤشرات متزايدة على اختبار أدوات لفرض قواعد حركة أو للتأثير في المجال المدني في المنطقة.

وفي طبيعة السلوك الإسرائيلي وتجاوزه صيغة الردع العسكري إلى ممارسة وظائف إدارة الطوارئ داخل المجال المدني خصوصاً وأنّ هذا النوع من التحذيرات التقنية موجهة عادةً داخل إسرائيل بما في ذلك سكان المستوطنات الإسرائيلية المحاذية للحدود. في مؤشرٍ على تعامل إسرائيل مع محافظة درعا خصوصاً كمنطقة خاضعة للرصد الميداني الدائم ضمن فضائها الأمني الحيوي، وبما يمتد إلى إدارة المجال المدني من قِبل الاحتلال الإسرائيلي عبر أدوات تقنية ونفسية ومعلوماتية قادرة على تشكيل السلوك اليومي للسكان عبر تعريف الخطر وتوجيه الاستجابة له.

وبناءً عليه تنطلق هذه المادة من سؤالين مترابطين: إلى أيّ مدى يُمكن فهم رسائل الإنذار التي وصلت إلى السكان حوض اليرموك باعتبارها مجرد إجراء أمني ظرفي مرتبط بالتوترات الإقليمية، أو مؤشراً على نمطٍ ناشئ/تحوّل لإدارة هذه المنطقة بما يراكم تدريجياً ملامح أمر واقع وظيفي يتجاوز الحدث الأمني ذاته وقابل للتكرار في مناطق أخرى من الجنوب السوري؟

من التنبيه إلى إدارة المجال المدني

اللافت في هذه الرسالة ليسَ فقط مضمونها الإجرائي والتقني على أهميته، بل شكلها بوصفها جزءاً من بنية إنذار مدني-أمني تستخدم عادةً داخل إسرائيل لتنظيم سلوك المدنيين في أوقات الطوارئ. جديرٌ بالذكر أنّ تعدّد اللغات في الرسالة مرتبط بتطور داخل منظومة الإنذار الإسرائيلية إذ كانت ترسل سابقاً باللغتين العبرية والعربية فقط، قبل أن تُضاف لها الإنجليزية والروسية اعتباراً من 24 يونيو/حزيران 2025، وذلك استجابةً لاعتبارات تتعلّق بالمساواة والحق في وصول التنبيه وتوسيع الفئات المستهدفة به نظراً لوجود سيّاح ومهاجرين وأشخاص غير ناطقين باللغتين السابقتين.

غيرَ أنّ الدلالة الأهم إرسال هذه الرسائل خارج الحدود الإسرائيلية، بما يفتح باباً لقراءتها يتجاوز البعد التقني. ويتجاوز مجرد التنبيه، إلى أبعادٍ أخرى إضافية يتقاطع فيها الأمني مع السياسي خصوصاً مع صدورها من جهة خارجية، ومن حيث وظائف الضغط والردع، والنفسي مع الاجتماعي عبر تفكيك الشعور بالأمان وخلق بيئة "قلقة" تدفع السكان إلى تغيير نمط حياتهم اليومي وكأداة لإنتاج "طاعة سلوكية ربّما تدفعهم -عند التكرار- نحوَ النزوح القسري بما يعيد تشكيل المنطقة. أي شكل من أشكال "الحوكمة الأمنية غير المباشرة" إضافةً إلى أنها ممارسة خطابية-سيادية مباشرة مع مواطني دولة أخرى، بما يسهم بتثبيت أطراف معادلة ترتيب المنطقة.

ومسار سياسي- سيادي: يسهم في تثبيت فكرة أن "تعريف الخطر" و"قواعد الحركة" يصدران من خارج الدولة السورية، وهو ما ينعكس على دورها وتآكل شرعيّتها على المستوى الاستراتيجي. ويمكن قراءتها أيضاً ضمن مساعٍ إسرائيلية لشرعنة نمط حضورٍ يتجاوز "المراقبة" إلى "انخراط عملياتي ومدني" في الجنوب السوري عبر إدارة المخاطر داخل الفضاء المدني، بما يدعم ترسيخ نفوذ إسرائيلي مباشر على المدى الطويل.

وهو ما برز في محاولات بناء نفوذ ناعم من الاحتلال الإسرائيلي سابقاً في الجنوب السوري من خلال عمليات الإنزال الجوي للمساعدات وهو ما قوبل محلياً بالرفض، ما يعكس حساسية المجتمع تجاه أيّ تموضع إسرائيلي في المنطقة.

مقارنة وظيفية: من غزّة ولبنان إلى درعا/حوض اليرموك

تاريخياً، استخدمت إسرائيل أنماطاً متعددة من التحذير والتهديد في حروبها، بما يمكن فهمه – في أحد أبعاده- كمحاولة للظهور بمظهر القادر على "تحذير السكان" قبل وقوع الخطر، وإنتاج صورة "الفاعل المسؤول" أو الحريص على سلامة المدنيين، حتى حين تكون هذه التحذيرات نفسها جزءاً من معادلة التصعيد. غير أن المقارنة هنا لا تهدف إلى استنساخ السياقات بقدر ما تهدف إلى تتبّع تغيّر وظيفة التحذير بحسب المكان: ففي غزة ارتبطت التحذيرات في كثيرٍ من الأحيان بمنطق التحذير والتهجير للسكان، وفي لبنان ظهرت ضمن منطق الضغط والتحذير والردع وضبط الحركة على طُرِق ومسارات بعينها؛ بينما تأتي رسائل حوض اليرموك بصيغة طوارئ "محايدة" ظاهرياً ومباشرة للغاية (الاحتماء فوراً والبقاء حتى إشعار لاحق)، بما يوحي بتحولٍ من خطاب يدفع لتغيير المكان إلى خطاب ينظّم السلوك داخل المكان عبر ضبط الحركة والسلوك اليومي.

من هنا، قد تبدو الرسائل أداة تقنية مرتبطة بتطورات إقليمية، لكنها تكشف وظيفياً عمّا هو أبعد من ذلك خصوصاً إذا ما أخذنا بعين الاعتبار التوغل الإسرائيلي في هذه المنطقة. ورغمَ إصدار وزارة الطوارئ وإدارة الكوارث السورية تحذيراً رسمياً للمواطنين بالالتزام بإرشادات السلامة، إلّا أنه يبقى تحذيراً عاماً ووطنيّ النِطاق، بينما تصل الرسائل الإسرائيلية "موضعياً" وبإلزام زمني مباشر بما يمنحها أثراً سلوكياً أسرع وأكثر مباشرة. وعليه، فإنّ إعادة تعريف الخطر خارج الدولة السورية ومؤسساتها ربما ستعود على تآكل شرعيّتها وسيادتها في هذه المناطق تدريجياً لصالح إسرائيل. وهو ما يجعل الرسائل مدخلاً لفحص تحوّل أدوات السيطرة باتجاه إدارة المجال المدني في الجنوب السوري عبر الفضاء الرقمي.

الخلاصة

بناءً على ما سبق، يظهر أنّ هذه الرسائل ليست منفصلة عن سياسة الردع الإسرائيلية متعددة الأدوات في الجنوب السوري، وإلى تحوّل في طريقة التعامل مع المنطقة بوصفها جزءاً من الفضاء الأمني الحيوي لإسرائيل، خصوصاً إذا ما أخذنا بعين الاعتبار السيطرة الإسرائيلية "غير المُعلَنة" مع حضورٍ عسكري ميداني فعلي وتأثيرٍ أمني متغيّر على المنطقة. بالتالي تؤشّر على أن هناك ما قد يدل على اختبار أدوات للتأثير في المجال المدني وفرض قواعد حركة موضعية، وهو ما يستوجب المتابعة خصوصاً إذا ما قرأناها ضمنتُقرأ من خلال استراتيجية توسّع "بقعة الزيت" الاستيطانيّة؛ ضمّ الضفة الغربية وتقسيم المسجد الأقصى، والاستيطان في الجنوب اللبناني، جنوب نهر الليطاني، وحوض اليرموك في الجنوب السوري- هذه المناطق التي اعتبرتها الحركة الصهيونية، منذ بدايتها، جزءاً من مشروعها الاستيطاني المؤجَّل. عبر نمطٍ تراكميّ من الخطوات الصغيرة المتتابعة (أمنية/مدنية) التي تنتج أثراً استراتيجياً على المدى الأطول وتفتح الباب لتغييرات أكبر لاحقاً، وإلى تجاوز منطق العمل فيها من الردع الصلب إلى "القوة الناعمة" وإدارة وإعادة تشكيل الفضاء المدني في هذه المناطق. بما يستدعي ضرورة الاهتمام والمتابعة المنهجية لما قد يترتب عليه من إعادة تعريف للخطر خارج مؤسسات الدولة السورية، وانعكاسات ذلك على شرعيتها ووظائفها الأمنية في هذه المنطقة، وكذلك على استقرار الجنوب وما يرتبط به من توازنات وتعقيدات إقليمية. خصوصاً على الأردن بحكم الجغرافيا وباعتبار حوض اليرموك مصدراً مائياً استراتيجياً لكِلا الجانبين، ويبقى الحسم بين "الإجراء الظرفي" و"النمط الناشئ"، رهناً برصد مؤشرات محددة: تكرار الرسائل وانتقائيتها الجغرافية، ارتباطها بتوترات إقليمية، تزامنها مع أدوات ضبط موازية (توغلات برية، تحليق، إلخ)، طبيعة الاستجابة السورية (موضعياً)، وأثرها على حركة السكان والطرق وأنماط الحياة اليومية.


مدار الساعة (معهد السياسة والمجتمع) ـ