مدار الساعة - ودّعت فلسطين والأمة العربية، صباح اليوم الأحد، المؤرخ المقدسي، والأكاديمي البارز البروفيسور وليد الخالدي، الذي وافته المنيّة في مدينة كامبريدج، بولاية ماساتشوستس الأميركية. برحيله تُطوى صفحة مشرقة من صفحات النضال الأكاديمي والبحثي الرصين الذي امتد قرنا من الزمن، كرّس خلاله الخالدي حياته لتفكيك الرواية الصهيونية، وإعادة بناء الرواية الفلسطينية على أسس علمية صلبة.
رأى الخالدي النور لأول مرة في السادس عشرة من تموز من عام 1925، في كنف عائلة مقدسية عريقة اشتُهرت بالعمل في العلم والسياسة.فوالده هو أحمد سامح الخالدي، التربوي الشهير ومدير الكلية العربية في القدس، وزوجة أبيه هي الناشطة والكاتبة اللبنانية، عنبرة سلام الخالدي.وقد منحه هذا المحيط الثقافي الفريد وعيا مبكرا بالقضية الوطنية، وتأصّلت لديه قيم الدقة والبحث منذ صباه في حارات القدس العتيقة.وتلقّى الخالدي تعليمه الابتدائي في مدرسة الفرندز في مدينة رام الله، لينتقل من بعدُ إلى مدرسة القديس جورجيوس الإنجيلية في القدس حيث أتمّ دراسته الثانوية.ثمّ سافر الخالدي بعد ذلك إلى بريطانيا وحاز شهادة البكالوريوس في التاريخ الإغريقي والروماني واللغة اللاتينية من جامعة لندن، واستأنف الدراسة في جامعة "أكسفورد"، حيث درس الماجستير في الآداب وتخرّج فيها عام 1951.واستهلّ الخالدي العمل في التدريس بعد تخرّجه، فدرّس في جامعة "أكسفورد" قبل استقالته منها احتجاجا على العدوان الثلاثي على مصر عام 1956، لينتقل بعدها إلى العمل أستاذا للدراسات السياسة في الجامعة الأميركية في بيروت، إلى جانب زمالته في "مركز هارفارد للشؤون الدولية".كما أسّس الخالدي، مع قسنطين زريق وبرهان الدجاني، مؤسسة الدراسات الفلسطينية عام 1963 في بيروت، التي أصبحت أهم مركز بحثي مستقل يُعنى بالقضية الفلسطينية والصراع العربي الإسرائيلي.وأضحت المؤسسة تحت إشرافه من أكبر وأهم المؤسسات في العالم المهتمة بالقضية الفلسطينية، إذ ضمت فوق الـ70 ألف كتاب، فضلا عن مئات المخطوطات والوثائق التاريخية، إضافة إلى آلاف النسخ المصورة من الصحف والدوريات منذ القرن التاسع عشر.وكان الخالدي أول من كشف للعالم عن "خطة دالت"، التي طبّقتها القوات الصهيونية لاحتلال فلسطين وتطهيرها عرقيا من سكانها، وذلك في وقت مبكر من ستينيات القرن الماضي.كما تجاوزت مؤلفات الخالدي الأربعين كتابا، إضافة إلى مئات الأبحاث والأوراق البحثية والمقالات، ويُعدّ كتاباه "كي لا ننسى"، الذي وثّق تدمير أكثر من 400 قرية فلسطينية وتهجير أهلها في نكبة 1948، و"قبل الشتات"، الذي وثّق الحياة الفلسطينية قبل عام 1948، من أبرز ما كتب.واستمر الخالدي بعد التقاعد في الإشراف على الشؤون اليومية لمؤسسة الدراسات الفلسطينية، كما شارك في صياغة الخطابات والوثائق السياسية الفلسطينية، من بينها خطاب ياسر عرفات أمام الأمم المتحدة عام 1974، وشارك في الوفد الفلسطيني الأردني المشترك في محادثات السلام، من دون أن يشغل أي منصب رسمي في منظمة التحرير الفلسطينية.كما عُرف الراحل بصلابة مواقفه واستقلاليته، فبالرغم من قربه من مراكز القرار الفلسطيني، إلا أنه لم يتردد في انتقاد التدخل الفلسطيني في الحرب الأهلية اللبنانية، مؤكدا في حوارات شهيرة مع ياسر عرفات أن منظمة التحرير يجب ألا تنخرط في الصراعات الداخلية للدول العربية.وقُلّد الخالدي عدة جوائز وأوسمة، منها جائزة جامعة الدول العربية للتميّز في الإنجاز الثقافي في العالم العربي، من المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، "ألكسو"، سنة 2002، ووسام نجمة القدس من رتبة الوشاح الأكبر سنة 2015، كما تم تكريمه سنة 2025 بجائزة الإنجاز مدى الحياة، تقديرا لإسهاماته الطويلة في توثيق تاريخ القضية الفلسطينية ودعم مؤسسة الدراسات الفلسطينية، ضمن الدورة الرابعة عشر من جائزة فلسطين للكتّاب.يرحل وليد الخالدي وقد "ملأ الفراغات في الحياة الوطنية الفلسطينية"، كما وصفه ابن عمه المؤرخ، رشيد الخالدي. ويمثّل رحيله فقدانا كبيرا للشعب الفلسطيني وقضيته، بعد أن بذل حياته في كشف حقيقة الجرائم الإسرائيلية بحق الشعب الفلسطيني، وتشييده صرحا علميا أمسى مرجعا لكافة الباحثين في الشأن الفلسطيني.رحيل المؤرخ المقدسي والأكاديمي البارز البروفيسور وليد الخالدي
مدار الساعة ـ











