أخبار الأردن اقتصاديات دوليات وفيات برلمانيات وظائف للأردنيين أحزاب مجتمع أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات مقالات مختارة جاهات واعراس مستثمرون شهادة الموقف مناسبات جامعات بنوك وشركات خليجيات مغاربيات دين اخبار خفيفة ثقافة رياضة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

حدادين يكتب: خرق الأجواء الأردنية وواجب التعويض وفق القانون الدولي


المحامي الدكتور يزن دخل الله حدادين

حدادين يكتب: خرق الأجواء الأردنية وواجب التعويض وفق القانون الدولي

مدار الساعة ـ

في ضوء التصريحات الرسمية الصادرة عن القوات المسلحة الأردنية – الجيش العربي، والتي أكدت أن الهجوم الصاروخي الإيراني لم يقتصر على مجرد عبور للأجواء الأردنية باتجاه أهداف أخرى، بل شمل كذلك استهدافاً مباشراً للأراضي الأردنية، فإن المسألة تخرج من إطار الجدل السياسي إلى نطاق المسؤولية القانونية الدولية الصريحة. ففي القانون الدولي العام، لا يُنظر إلى المجال الجوي للدولة باعتباره فضاءً عابراً يمكن تجاوزه أو استخدامه دون قيود، بل هو امتداد مباشر لسيادة الدولة على إقليمها. وعليه، فإن أي صاروخ أو طائرة مسيّرة أو مقذوف عسكري يخترق الأجواء الأردنية دون إذن رسمي يشكل انتهاكاً صريحاً لسيادة الأردن، سواء كان هذا الفعل بقصد العبور نحو أهداف أخرى أو بقصد استهداف الأردن نفسه. وفي الحالتين، فإن القواعد المستقرة في القانون الدولي تمنح الدولة الأردنية حقاً قانونياً كاملاً في اتخاذ التدابير الدفاعية اللازمة لحماية إقليمها ومواطنيها.

وإذا كان عبور الصواريخ أو المقذوفات العسكرية عبر الأجواء الأردنية في طريقها إلى أهداف أخرى يمثل انتهاكاً للسيادة الجوية، فإن استهداف الأراضي الأردنية مباشرة يشكل من الناحية القانونية اعتداءً على الأردن وخرقاً مباشراً لسلامة إقليمه وأمنه الوطني. فالقانون الدولي، وفي مقدمته ميثاق الأمم المتحدة، يفرض على الدول التزاماً صارماً باحترام سيادة الدول الأخرى وعدم القيام بأي أعمال عسكرية تمس أراضيها أو تعرض أمنها للخطر. وعندما يتم توجيه مقذوفات عسكرية نحو إقليم دولة ذات سيادة أو تمر عبر مجالها الجوي بطريقة تعرض سكانها ومنشآتها للخطر، فإن ذلك يُعد فعلاً غير مشروع دولياً يرتب مسؤولية قانونية كاملة على عاتق الدولة التي قامت به.

وفي هذا الإطار، فإن الأردن يملك وفقاً للقواعد المستقرة في القانون الدولي الحق الكامل في اتخاذ جميع التدابير اللازمة لحماية مجاله الجوي وأراضيه، بما في ذلك اعتراض أو إسقاط أي مقذوفات أو أهداف جوية تشكل تهديداً لأمنه الوطني. ويستند هذا الحق إلى المبادئ العامة التي تقر بسيادة الدولة الكاملة على إقليمها وحقها في صون أمنها وحماية سكانها من أي أخطار عسكرية قد تنشأ نتيجة أعمال تقوم بها دول أخرى دون موافقتها.

غير أن المسؤولية القانونية في مثل هذه الحالات لا تتوقف عند حدود الدفاع أو الردع، بل تمتد إلى مسألة جوهرية في القانون الدولي وهي مسؤولية الدولة عن التعويض الكامل عن الأضرار التي ترتبت على الفعل غير المشروع. فالإطار القانوني الحاكم لهذه المسألة تم تحديده بصورة واضحة في مشروع مواد مسؤولية الدول عن الأفعال غير المشروعة دولياً الذي اعتمدته لجنة القانون الدولي عام 2001، وأخذت به الجمعية العامة للأمم المتحدة في قرارها رقم 56/83. وتنص هذه القواعد بشكل صريح على أن الدولة التي ترتكب فعلاً غير مشروع دولياً تتحمل المسؤولية القانونية الكاملة عنه، وتلتزم بإصلاح الضرر الناجم عن هذا الفعل إصلاحاً كاملاً.

وتنص المادة 31 من هذه المواد على أن الدولة المسؤولة ملزمة بجبر الضرر الكامل الناجم عن الفعل غير المشروع دولياً، سواء كان هذا الضرر مادياً أو معنوياً. أما المادة 34 فتحدد أشكال جبر الضرر، والتي تشمل رد الحال إلى ما كان عليه، أو التعويض المالي، أو الترضية. وفي الحالات التي يتعذر فيها إعادة الوضع إلى ما كان عليه، يصبح التعويض المالي الوسيلة الأساسية لجبر الضرر. كما تنص المادة 36 على أن التعويض يجب أن يشمل أي ضرر مالي قابل للتقدير نتج عن الفعل غير المشروع، بما في ذلك الخسائر الفعلية والأرباح التي فاتت.

كما أكدت محكمة العدل الدولية في عدد من أحكامها المتعلقة بمسؤولية الدول أن التعويض في القانون الدولي يجب أن يغطي كامل الضرر الناتج عن الفعل غير المشروع، بما في ذلك الأضرار الاقتصادية التي تتحملها الدولة نتيجة اضطرارها لاتخاذ تدابير وقائية لحماية أمنها وسلامة أراضيها.

ويعني ذلك أن الخسائر التي ترتبت على إلغاء جميع الرحلات الجوية خلال فترات إغلاق المجال الجوي الأردني، أو تعطيل حركة الملاحة الجوية عبر الأجواء الأردنية، يمكن إدراجها ضمن المطالبات القانونية بالتعويض متى ثبتت العلاقة السببية بين هذه الخسائر والفعل غير المشروع.

ولا يقتصر نطاق التعويض في هذه الحالة على الخسائر المباشرة لشركات الطيران والمطارات، بل يمتد أيضاً إلى الأضرار الاقتصادية الأوسع التي لحقت بقطاع النقل الجوي نتيجة تعطيل حركة الملاحة الجوية، متى ثبت وجود علاقة سببية واضحة بين الفعل غير المشروع وهذه الأضرار.

إلى جانب ذلك، فإن المسؤولية الدولية قد تمتد أيضاً إلى التكاليف الاستثنائية التي تتحملها الدولة نتيجة اضطرارها إلى حماية مجالها الجوي. فالتعامل مع التهديدات الصاروخية أو الجوية يتطلب تشغيل منظومات الدفاع الجوي بكامل طاقتها، واستخدام وسائل اعتراض متطورة ذات تكلفة عالية. وتشمل هذه النفقات تشغيل الرادارات ومنظومات الإنذار المبكر، وتحريك الوحدات العسكرية، وتشغيل أنظمة الدفاع الجوي المختلفة، إضافة إلى إطلاق الصواريخ الاعتراضية المستخدمة لإسقاط المقذوفات التي تخترق الأجواء الأردنية.

ومن منظور القانون الدولي لمسؤولية الدول، فإن هذه النفقات الدفاعية الاستثنائية يمكن إدراجها ضمن نطاق الأضرار القابلة للتعويض، لأنها تمثل تكاليف مباشرة فرضها الفعل غير المشروع. فالأردن لم تكن لتتحمل هذه النفقات لولا حدوث تهديد مباشر لأمنها وإجبارها على اتخاذ إجراءات دفاعية عاجلة لحماية أراضيها وسكانها.

وفي المحصلة، فإن خرق الأجواء الأردنية أو استهداف الأراضي الأردنية لا يمكن اعتباره مجرد حادث عسكري عابر في سياق نزاع إقليمي، بل يمثل مسألة قانونية ذات أبعاد سيادية واضحة. فالأردن، بوصفه دولة ذات سيادة، يملك الحق الكامل في حماية مجاله الجوي وأراضيه واتخاذ جميع التدابير اللازمة لرد أي اعتداء. كما يملك في الوقت ذاته حقاً قانونياً ثابتاً في مطالبة الدولة المسؤولة بتحمل المسؤولية الدولية الكاملة عن أفعالها، بما في ذلك تعويض الأردن عن جميع الأضرار والخسائر التي ترتبت على خرق الأجواء الأردنية وتعريض أمنه وسلامة مجاله الجوي للخطر.

مدار الساعة ـ