أخبار الأردن اقتصاديات دوليات برلمانيات وفيات أحزاب مجتمع وظائف للأردنيين أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات مقالات مختارة مناسبات جاهات واعراس مستثمرون شهادة الموقف جامعات بنوك وشركات خليجيات مغاربيات دين رياضة اخبار خفيفة ثقافة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

الإعلام والمعضلة المستمرة


مكرم الطراونة

الإعلام والمعضلة المستمرة

مدار الساعة (الغد) ـ

جزء كبير من الحروب الحديثة بات يدار في الفضاء الإعلامي والرقمي كساحة موازية للصراع، ليصبح مؤثرا كبيرا في تشكيل الرأي العام وصناعة المواقف.

في الأردن، برز مشهد سردي مركّب تتداخل فيه الروايات الرسمية والشعبية والإقليمية والدولية، وتتنافس فيه أطراف متعددة على تفسير ما يجري والتحدث باسم الأردنيين. ثلاثة مسارات رئيسة للرواية، الأول مسار الدولة الذي يحاول تثبيت خطاب يقوم على المصلحة الوطنية العليا، ويراعي توازنات دقيقة يفرضها الموقع الجغرافي والسياسي، وطبيعة العلاقات الإقليمية والدولية، وحساسية الوضع الداخلي. خطاب الدولة حذر ومحسوب، يوازن بين ثوابت الموقف الأردني تجاه القضايا المحورية، ومقتضيات الاستقرار السياسي والأمني للدولة.

المسار الثاني تمثله جماعات منظمة، سواء أكانت سياسية أو أيديولوجية، تسعى للتأثير في الرأي العام، وبعضها يعمل بوعي ضمن سياقات إقليمية تسعى لإعادة تشكيل المواقف في المنطقة، بينما يتحرك آخرون بدافع الحماسة الأيديولوجية أو الرغبة في الاستثمار السياسي في لحظة عاطفية مشحونة.

المسار الثالث، أكثر اتساعا وهشاشة، ويتمثل في شريحة "رخوة" من الجمهور، لا تمتلك السياقات المعرفية اللازمة بطبيعة الصراع وتعقيداته التاريخية والسياسية. هذه الشريحة تتلقى روايات متعددة عبر وسائل التواصل، وغالبا ما تتأرجح بين سرديات متناقضة، كثير منها يفتقر إلى الدقة أو السياق.

في هذا المناخ الرقمي المتشابك، تلجأ جهات متعددة من أفراد ومؤسسات ومنصات إعلامية إلى التحدث باسم الأردنيين، وتزعم تمثيل "الرأي العام الأردني"، وهي ظاهرة ليست بريئة بالكامل، ففي عالم الإعلام الجديد، يصبح الادعاء بتمثيل الجماهير أداة قوية في الصراع على التأثير السياسي والمعنوي، ومنح الخطاب شرعية جماعية، واستخدامه للضغط على الدولة أو لتوجيه الرأي العام أو لخدمة أجندات تتجاوز الحدود الوطنية.

الأساس في كل ما يجري ينبغي أن يكون مصلحة الأردن، والمتمثلة في الحفاظ على استقراره السياسي والاجتماعي، وحماية موقعه الإقليمي، والاستمرار في الدفاع عن مصالحه ضمن إطار سياسي عقلاني قادر على تحقيق نتائج حقيقية، لا مجرد شعارات عاطفية.

لكن ذلك يتطلب خطابا إعلاميا وسياسيا أكثر وضوحا وتأثيرا مما هو قائم في كثير من الأحيان. إحدى المشكلات الأساسية في الخطاب الأردني تكمن في الفجوة بين عمق الموقف السياسي للدولة وبين القدرة على شرحه وتقديمه للرأي العام بلغة مقنعة ومفهومة. في عالم سريع الإيقاع مثل الفضاء الرقمي، لا يكفي أن يكون الموقف عقلانيا أو متوازنا، بل يجب أيضا أن يكون قابلا للتواصل والتفسير والإقناع.

الخطاب الأردني، كذلك، يعاني أحيانا من بطء في التفاعل مع موجات المعلومات المتدفقة، في حين تتحرك روايات أخرى بسرعة أكبر، مستفيدة من مرونة الإعلام غير الرسمي وقدرته على الوصول المباشر إلى الجمهور، ما يسمح لجهات متعددة بملء الفراغ السردي في لحظات يكون فيها الصوت الوطني أقل حضورا في الفضاء الرقمي.

التحدي الآخر يتمثل في إدارة الخطاب داخل محيط إقليمي غير متجانس، تتقاطع فيه المصالح والتحالفات بصورة معقدة. فالدولة الأردنية ترتبط بعلاقات سياسية وأمنية واقتصادية مع أطراف مختلفة، بعضها يملك رؤى متباينة حول الصراع في المنطقة. وفي الوقت نفسه، يتفاعل الشارع الأردني بقوة مع القضايا الإقليمية. هذه المعادلة الصعبة تجعل من الخطاب الأردني عملا دقيقا يتطلب توازنا بين التعبير عن الموقف الشعبي المشروع وبين الحفاظ على المصالح الوطنية والاستقرار الداخلي.

الأولوية الأساسية للأردن اليوم تتمثل في بناء خطاب إعلامي أكثر تماسكا وقدرة على المبادرة، ولا يكتفي برد الفعل على الروايات الأخرى، بل يسعى إلى صياغة روايته الخاصة بوضوح وثقة، ما يتطلب استثمارا حقيقيا في الإعلام والمنصات الرقمية القادرة على مخاطبة الجمهور بلغته وأسئلته.

في زمن تتشكل فيه القناعات عبر الشاشات والهواتف المحمولة، يصبح امتلاك خطاب وطني واضح ومؤثر جزءا أساسيا من حماية الدولة ومصالحها، بعيدا عن الضجيج الذي يملأ الفضاء الرقمي في زمن الحروب المفتوحة على كل الجبهات

مدار الساعة (الغد) ـ