أخبار الأردن اقتصاديات دوليات برلمانيات وفيات أحزاب مجتمع وظائف للأردنيين مقالات مقالات مختارة أسرار ومجالس تبليغات قضائية الموقف مناسبات جاهات واعراس مستثمرون شهادة جامعات دين بنوك وشركات خليجيات مغاربيات ثقافة رياضة اخبار خفيفة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

كنعان يكتب: الفجوة بين فلسفة قانون التحكيم الأردني والتطبيق العملي


المحامي راشد كنعان

كنعان يكتب: الفجوة بين فلسفة قانون التحكيم الأردني والتطبيق العملي

مدار الساعة ـ

يشكل التحكيم أحد أهم الوسائل البديلة لفض المنازعات في النظم القانونية الحديثة، وقد تبناه المشرع من خلال قانون التحكيم الأردني رقم 31 لسنة 2001، بهدف ايجاد طريق قانوني مرن وسريع لفض النزاعات خارج إطار القضاء التقليدي.

وتقوم فلسفة هذا القانون على تمكين أطراف النزاع من الاتفاق، بمحض ارادتهم، عبر إحالة خلافاتهم إلى محكم أو هيئة تحكيم، بوصفهم قضاء من نوع خاص، بدلاً من اللجوء المباشر إلى المحاكم.

ويتميز التحكيم بعدة مزايا جعلت منه خياراً مفضلاً في العديد من العلاقات القانونية، خاصة في النزاعات التجارية والاستثمارية، إذ يمنح الأطراف حرية اختيار المحكمين، وتحديد الإجراءات واللغة ومكان انعقاد الجلسات، الأمر الذي يوفر قدراً أكبر من المرونة والسرعة في حسم النزاعات، مقارنة بإجراءات التقاضي أمام القضاء التقليدي.

غير أن التجربة العملية تكشف في كثير من الأحيان عن فجوة واضحة بين الصورة النظرية للتحكيم، وبين التطبيق العملي له.

ورغم أن التحكيم يفترض أن يكون بديلاً سريعاً ومرناً للتقاضي، إلا أن العديد من الإجراءات الخاصة به ما زالت مرتبطة بشكل مباشر بالمحكمة، الأمر الذي يؤدي في بعض الحالات إلى إطالة أمد النزاع، بدلاً من تقليصه.

فعندما ينشأ نزاع يخضع لشرط التحكيم، يلجأ المحتكم إلى كاتب العدل لدى المحكمة المختصة لتفعيل هذا الشرط، وذلك من خلال توجيه إنذار عدلي يسمي من خلاله محكم يمثله.

هنا تبرز أولى مظاهر الارتباط بين التحكيم والقضاء، ذلك أن المحتكم يضطر في هذه المرحلة إلى اللجوء لمحكمة الاستئناف المختصة لتقديم طلب تعيين المحكم في حال تعذر الاتفاق بين الأطراف.

وعملياً، قد تستغرق مرحلة تسجيل هذا الطلب ما يقارب شهراً كاملا، وذلك لغايات اعطائه رقماً أصولياً لدى المحكمة، تمهيداً لتحديد موعد الجلسة الأولى للنظر فيه.

وبعد تسجيل الطلب رسمياً، تمتد الإجراءات لفترة إضافية قد تصل إلى شهر آخر، يتم خلالها عقد الجلسات اللازمة ودراسة الطلب من قبل المحكمة، وصولاً إلى صدور القرار بتعيين المحكمين وتشكيل هيئة التحكيم.

وبعد تشكيل هيئة التحكيم وبدء السير في الإجراءات، يفترض أن تتولى هيئة التحكيم إدارة النزاع بصورة مستقلة عن القضاء، إلا أن الواقع العملي يبين أن بعض المسائل الإجرائية قد تعيد أطراف النزاع أو هيئة التحكيم إلى المحكمة مرة أخرى.

وعلى سبيل المثال، إذا كانت هناك بينات موجودة تحت يد الغير، فقد يحتاج الأطراف إلى كتب رسمية صادرة عن المحكمة لتمكينهم من الحصول عليها.

كما قد تواجه هيئة التحكيم خلال نظر النزاع بعض المسائل القانونية أو الإجرائية التي تستلزم تفسيراً أو مساعدة قانونية، الأمر الذي قد يدفعها في بعض الحالات إلى اللجوء إلى القاضي المختص لدى المحكمة للحصول على الإيضاح أو الدعم القضائي اللازم لضمان سير الإجراءات بصورة سليمة.

ولا يتوقف هذا الارتباط بين التحكيم والقضاء عند مراحل تشكيل هيئة التحكيم أو سير الإجراءات، بل يمتد كذلك إلى ما بعد صدور حكم التحكيم نفسه، ففي حال تبين لأحد الأطراف وجود بطلان في الإجراءات أو في حكم التحكيم، يحق له الطعن فيه من خلال إقامة دعوى بطلان أمام محكمة التمييز خلال مدة ثلاثين يوماً من اليوم التالي لتبليغ الأطراف حكم التحكيم، وذلك للنظر في مدى سلامة الحكم والإجراءات التي صدر بموجبها.

أما في حال عدم الطعن بالحكم أو عدم ثبوت أي سبب من أسباب البطلان، فإن حكم التحكيم لا يصبح قابلاً للتنفيذ بصورة مباشرة، إذ يتعين على الطرف المحكوم له التقدم بطلب إلى محكمة التمييز للنظر في الحكم تدقيقاً، تمهيداً لتنفيذ الحكم.

وبعد صدور قرار المحكمة بالمصادقة على حكم التحكيم والأمر بتنفيذه، يصبح بإمكان الطرف المحكوم له مباشرة إجراءات التنفيذ أمام الجهات المختصة، تماماً كما هو الحال في تنفيذ الأحكام القضائية الصادرة عن المحاكم النظامية.

هذه الصورة العملية تثير تساؤلاً حول مدى تحقيق التحكيم للغاية التي شرع من أجلها، فبينما يفترض أن يشكل التحكيم وسيلة أسرع وأكثر مرونة من إجراءات التقاضي المتبعة أمام المحاكم النظامية، يظهر الواقع العملي أن النزاعات التحكيمية قد تستغرق في بعض الحالات زمناً أطول نسبياً، نتيجة تعدد مراحلها الإجرائية وارتباطها بالمحكمة في أكثر من مرحلة، سواء عند تشكيل هيئة التحكيم، أو خلال بعض الإجراءات المرتبطة بسير الدعوى، أو بعد صدور حكم التحكيم.

وبالنظر إلى التجارب المقارنة في عدد من الدول، يتبين أن نجاح التحكيم يرتبط غالباً بوجود مراكز تحكيم متخصصة تتولى إدارة العملية التحكيمية وفق قواعد إجرائية واضحة ومحددة زمنياً، كما هو الحال في مركز دبي للتحكيم الدولي، ومركز القاهرة الإقليمي للتحكيم التجاري الدولي، حيث تسهم هذه المؤسسات في تنظيم الإجراءات وتسريع الفصل في النزاعات.

وفي هذا السياق، تبرز الحاجة إلى تعديل قانون التحكيم الأردني بما يعزز استقلال العملية التحكيمية، ويحد من الارتباط المتكرر بالقضاء التقليدي، مع الإبقاء على الدور الرقابي للقضاء في الحدود الضرورية لضمان سلامة الإجراءات وصحة الأحكام.

كما تبرز في هذا الإطار ضرورة وضع قواعد أو تعليمات إجرائية واضحة تنظم مراحل التحكيم المختلفة، وتشجع إنشاء مراكز تحكيم متخصصة، بما يسهم في تبسيط الإجراءات، وتسريع الفصل في المنازعات.

مدار الساعة ـ