لم يعد ما يجري في المنطقة مجرد توتر عابر أو مواجهة تقليدية بين دولتين. فالتصعيد المستمر بين ايران و اسرائيل لم يعد يُقرأ في سياقه المباشر فقط، بل بات يُفهم ضمن معادلة دولية أوسع، حيث تتحرك القوى الكبرى خلف الستار في صراع نفوذ يعيد إلى الأذهان ملامح الحروب العالمية ولكن بأدوات مختلفة.
في قلب هذا المشهد تقف القوى العظمى؛ فالدعم السياسي والعسكري الذي تقدمه الولايات المتحدة لحلفائها في المنطقة يقابله حضور متنامٍ لكل من الصين وروسيا اللتين تسعيان لتوسيع نفوذهما في الشرق الأوسط، مستفيدتين من أي فراغ أو تصدع في النظام الدولي الذي تشكل بعد الحرب الباردة.ما يجري اليوم أقرب إلى مواجهة دولية تُدار بالوكالة؛ فالميدان قد يكون في الشرق الأوسط، لكن الحسابات الاستراتيجية تُصاغ في عواصم العالم الكبرى. ولعلّ هذا النمط من الصراعات بات سمة المرحلة، حيث تتجنب القوى الكبرى المواجهة المباشرة، وتدير تنافسها عبر حلفاء إقليميين أو ملفات أمنية واقتصادية متشابكة.وسط هذه المعادلة المعقدة، برز موقف دول الخليج العربي بوصفه أحد أكثر المواقف اتزانًا. فقد أدركت هذه الدول منذ وقت مبكر أن الانجرار إلى صراع متعدد الأطراف لن يخدم استقرارها ولا مصالحها الاستراتيجية. لذلك تبنت سياسة تقوم على التهدئة، وتوازن العلاقات الدولية، وتجنب الاصطفافات الحادة التي قد تحوّل المنطقة إلى ساحة حرب مفتوحة.هذه الحكمة السياسية لم تأتِ من فراغ؛ فالمنطقة دفعت عبر العقود الماضية أثمانًا باهظة نتيجة الصراعات الإقليمية والدولية. ومن هنا، باتت دول الخليج أكثر إدراكًا بأن الاستقرار والتنمية الاقتصادية هما الرهان الحقيقي في عالم تتغير فيه موازين القوى بسرعة.لكن رغم هذا الحذر، فإن المؤشرات المتصاعدة في المنطقة توحي بأن الشرق الأوسط يقف أمام مرحلة تحوّل تاريخية. فالصراعات الحالية لا تتعلق فقط بملفات أمنية أو عسكرية، بل ترتبط بممرات الطاقة، وخطوط التجارة العالمية، والتحالفات الجيوسياسية الجديدة التي تتشكل بين الشرق والغرب.ومع استمرار هذا المشهد المتشابك، يبدو واضحًا أن المنطقة قد تكون على موعد مع إعادة رسم لخرائط النفوذ، وربما إعادة تعريف للأدوار الإقليمية لبعض الدول. فكل مواجهة، مهما بدت محدودة في ظاهرها، تترك خلفها تغييرات عميقة في موازين القوة.لهذا، فإن ما يجري اليوم قد لا يكون سوى الفصل الأول في عملية إعادة تشكيل الشرق الأوسط. شرق أوسط قد يختلف في تحالفاته وموازين قواه عمّا عرفناه لعقود طويلة، حيث تتراجع بعض القوى ويصعد لاعبون جدد، وتُكتب معادلات سياسية مختلفة تحكم المنطقة لسنوات قادمة.وفي خضم هذه التحولات الكبرى، يبقى السؤال الأهم:هل ينجح الشرق الأوسط في عبور هذه المرحلة بأقل الخسائر، أم أنه سيبقى ساحة مفتوحة لصراعات القوى الكبرى؟فالإجابة على هذا السؤال قد تحدد شكل المنطقة لعقود مقبلةشديفات يكتب: نار تحت الرماد… صراع دولي يعيد رسم خريطة المنطقة
مدار الساعة ـ