أخبار الأردن اقتصاديات دوليات برلمانيات وفيات أحزاب مجتمع وظائف للأردنيين مقالات مقالات مختارة أسرار ومجالس تبليغات قضائية الموقف مناسبات جاهات واعراس مستثمرون شهادة جامعات دين بنوك وشركات خليجيات مغاربيات ثقافة رياضة اخبار خفيفة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

المساد يكتب: نار تحت خرائط المنطقة: مآلات الحرب بين إيران وإسرائيل وأمريكا


مأمون المساد
mamoonmassad0@gamil.com

المساد يكتب: نار تحت خرائط المنطقة: مآلات الحرب بين إيران وإسرائيل وأمريكا

مأمون المساد
مأمون المساد
mamoonmassad0@gamil.com
مدار الساعة ـ

لم يعد الشرق الأوسط يعيش مجرد جولة جديدة من التوترات التقليدية التي اعتادت عليها المنطقة خلال العقود الماضية، بل يقف اليوم على حافة مرحلة أكثر خطورة وتعقيداً، فالحرب الدائرة بين إيران من جهة، وإسرائيل والولايات المتحدة من جهة أخرى، لم تعد مجرد مواجهة عسكرية محدودة، بل تحولت إلى اختبار حقيقي لموازين القوة في الإقليم، وربما لنظام الأمن في الشرق الأوسط كله.

خلال سنوات طويلة، ظل الصراع بين إيران وإسرائيل يجري في إطار ما يُعرف بـ"حرب الظل": عمليات استخباراتية، ضربات دقيقة، استهدافات محدودة، ورسائل ردع متبادلة لا تصل إلى حد المواجهة المباشرة. لكن التطورات الأخيرة تشير بوضوح إلى أن تلك المرحلة بدأت تتآكل، وأن الصراع ينتقل تدريجياً من مستوى الاشتباك غير المباشر إلى مواجهة أكثر وضوحاً وخطورة.

تدخل الولايات المتحدة إلى جانب إسرائيل يمنح هذه الحرب بعداً استراتيجياً أوسع، فواشنطن لا تنظر إلى المواجهة مع إيران بوصفها مجرد دفاع عن حليف إقليمي، بل باعتبارها جزءاً من معركة أوسع تتعلق بمنع طهران من ترسيخ نفوذها الإقليمي وتطوير قدرات عسكرية يمكن أن تغيّر موازين القوة في المنطقة. وفي المقابل، ترى إيران في هذه المواجهة اختباراً لقدرتها على الصمود في وجه تحالف عسكري وسياسي تقوده القوة الأكبر في العالم.

غير أن أخطر ما في هذه الحرب لا يكمن فقط في طبيعة المواجهة المباشرة، بل في احتمال اتساع رقعتها الجغرافية. فإيران لا تخوض صراعها من داخل حدودها فقط، بل تمتلك شبكة واسعة من الحلفاء والنفوذ في عدة ساحات إقليمية. وهذا ما يجعل الحرب قابلة للتمدد بسرعة إلى جبهات أخرى قد تتحول إلى مسارح اشتباك موازية.

في مقدمة هذه الساحات يأتي جنوب لبنان، حيث يشكل حزب الله أحد أبرز عناصر التوازن العسكري في مواجهة إسرائيل. فتح هذه الجبهة على نطاق واسع قد يضع إسرائيل أمام حرب استنزاف طويلة، خصوصاً أن التجارب السابقة أثبتت أن أي مواجهة في لبنان لا تبقى محدودة بسهولة، بل تتحول سريعاً إلى صراع واسع النطاق يفرض أثماناً باهظة على جميع الأطراف.

الساحة الثانية التي تثير القلق هي العراق، الذي يجد نفسه مرة أخرى في قلب التوترات الإقليمية. فوجود مصالح وقواعد أمريكية داخل الأراضي العراقية يجعلها هدفاً محتملاً لأي رد غير مباشر من جانب القوى القريبة من إيران. وقد أظهرت محاولات استهداف السفارة الأمريكية في بغداد خلال الأيام الماضية مدى هشاشة الوضع الأمني هناك، وإلى أي حد يمكن أن يتحول العراق إلى ساحة رسائل نارية بين طهران وواشنطن.

أما إسرائيل، فهي تسعى من خلال هذه المواجهة إلى إعادة تثبيت معادلة الردع في المنطقة. فتل أبيب تدرك أن السماح لإيران بتعزيز قدراتها العسكرية أو توسيع نفوذها الإقليمي دون رد حاسم قد يغير التوازن الاستراتيجي في الشرق الأوسط. لذلك تميل القيادة الإسرائيلية إلى توجيه ضربات قاسية، ليس فقط لإضعاف القدرات الإيرانية، بل أيضاً لإرسال رسالة واضحة إلى خصومها بأن ميزان القوة ما زال يميل لصالحها.

لكن هذه الاستراتيجية تحمل في طياتها مخاطر كبيرة. فكل ضربة عسكرية واسعة قد تدفع إيران إلى ردود أكثر جرأة، ما يزيد من احتمالات الانزلاق نحو حرب إقليمية مفتوحة. وفي مثل هذا السيناريو، لن تبقى المواجهة محصورة بين الدول الثلاث، بل قد تمتد لتشمل ساحات أخرى في المنطقة، بما في ذلك الممرات البحرية الحيوية وأسواق الطاقة العالمية.

ورغم هذا التصعيد المتسارع، يبقى احتمال الوصول إلى تسوية سياسية قائماً، ولو بعد مرحلة من المواجهات العسكرية. فالتجارب السابقة في الشرق الأوسط تشير إلى أن كثيراً من الحروب تبدأ بالتصعيد لكنها تنتهي بوساطات دولية وضغوط دبلوماسية. وقد تلعب قوى دولية مثل روسيا والصين، إضافة إلى أطراف أوروبية، دوراً في محاولة احتواء التصعيد إذا بدأت الحرب تهدد الاستقرار الدولي أو مصالح الطاقة العالمية.

في المحصلة، تبدو المنطقة اليوم وكأنها تقف فوق خرائط مشتعلة. فالنار التي بدأت بين إيران وإسرائيل وأمريكا لا تحرق حدود الدول فقط، بل تهدد بإعادة رسم موازين القوة في الشرق الأوسط كله. وقد لا يكون السؤال الحقيقي هو من سينتصر في هذه الحرب، بل أي شرق أوسط سيولد من رمادها إذا استمرت في التوسع.

فالشرق الأوسط، كما أثبتت تجارب تاريخه الحديث، لا يعرف الحروب القصيرة ولا النهايات البسيطة. وكل مواجهة كبيرة فيه لا تترك خلفها مجرد دمار عسكري، بل تفتح الباب أمام مرحلة جديدة من التحولات السياسية والاستراتيجية التي قد تستمر آثارها لعقود طويلة.

مدار الساعة ـ