أخبار الأردن اقتصاديات دوليات وفيات برلمانيات أحزاب مجتمع وظائف للأردنيين تبليغات قضائية مقالات مقالات مختارة أسرار ومجالس الموقف مناسبات جاهات واعراس مستثمرون شهادة جامعات خليجيات مغاربيات دين بنوك وشركات اخبار خفيفة ثقافة رياضة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

أبو لبن يكتب: نحو سردية تاريخية تعددية في الأردن


الدكتور زياد أبو لبن
رئيس رابطة الكتاب الأردنيين الأسبق

أبو لبن يكتب: نحو سردية تاريخية تعددية في الأردن

الدكتور زياد أبو لبن
الدكتور زياد أبو لبن
رئيس رابطة الكتاب الأردنيين الأسبق
مدار الساعة ـ

لا يُمكن تناول السردية التاريخية في السياق الأردني بوصفها مسألةً معرفية محايدة أو تمرينًا توثيقيًا صرفًا، إذ إن تشكّل التاريخ ذاته جرى في فضاءٍ شديد الحساسية، تداخلت فيه السياسة بالذاكرة، والوقائع بالخطاب، والحاجة إلى بناء الدولة بالرغبة في تثبيت معنى جامع للماضي. ومن هنا، فإن السردية التاريخية الأردنية لم تكن مجرد انعكاس لما حدث، بل كانت، منذ بداياتها، أداةً لإنتاج المعنى، وتنظيم الذاكرة، وترتيب العلاقة بين المجتمع والدولة.

نشأت الدولة الأردنية الحديثة في سياق إقليمي مضطرب، أعقب انهيار السلطنة العثمانية، وترافق مع إعادة رسم خرائط المشرق العربي تحت الانتداب. وقد فرض هذا الواقع حاجة ملحّة إلى بناء سردية تاريخية تؤسس للشرعية والاستمرارية، وتمنح الكيان الناشئ جذوره الرمزية والسياسية. في هذا الإطار، جرى التركيز على محطات بعينها، وعلى أدوار محددة، قُدِّمت بوصفها لحظات تأسيسية، بينما أُرجئت أو هُمِّشت وقائع أخرى لا تنسجم بسهولة مع خطاب التأسيس.

لم تكن هذه السردية نتاج نية إقصائية بالضرورة، بل ثمرة منطق الدولة في طور التكوين، حين يصبح التاريخ جزءًا من أدوات الاستقرار وبناء الهوية الوطنية. غير أن هذا المنطق، حين يطول أمده، يميل إلى تثبيت رواية واحدة، وإلى تحويلها إلى ما يشبه الحقيقة النهائية، الأمر الذي يضيّق أفق الفهم، ويجعل التاريخ أقل قدرة على استيعاب تعقيدات المجتمع وتعدّد تجاربه.

تزداد السردية التاريخية الأردنية تشابكًا حين يُنظر إليها في علاقتها بالذاكرة الفلسطينية، التي لا يمكن اختزالها في كونها عاملًا خارجيًا أو طارئًا. فالنكبة وما تلاها لم تكن حدثًا مجاورًا، بل تجربةً معيشة أعادت تشكيل البنية السكانية، والثقافية، والوجدانية للمجتمع. وقد أدخل هذا التداخل سؤالًا حرجًا إلى قلب السردية التاريخية: أيّ الماضي يُروى؟ ومن يمتلك حق الرواية؟ وكيف يمكن لتاريخ الدولة أن يتجاور مع تاريخ الفقد دون أن يلغي أحدهما الآخر؟

قد يُعالج هذا السؤال عبر الفصل بين التاريخ الرسمي والذاكرة، فالأول محكوم بمنطق الدولة، بينما الثانية بحضورها في المجال الاجتماعي والثقافي، وفي السرد الشفوي، والأدب، والطقوس اليومية. غير أن هذا الفصل، على الرغم من كونه حلًا مؤقتًا، قد يُعمّق الفجوة بين ما يُدرَّس ويُكتب، وما يُعاش ويُتذكَّر، ويجعل السردية التاريخية عرضة للتصلّب، بدل أن تكون مجالًا للحوار والتأويل.

ولا يقتصر الإشكال على العلاقة مع الذاكرة الفلسطينية، بل يمتد إلى سرديات محلية أخرى طالها التهميش، سواء تلك المرتبطة بالأطراف الجغرافية، أو بالطبقات الاجتماعية، أو بتجارب الفلاحين والبدو والعمال. فالتاريخ الأردني، كما كُتب في صِيَغه الأولى، مال إلى التركيز على المركز، وعلى الفعل السياسي المباشر، بينما بقيت التحولات الاجتماعية العميقة، وأنماط العيش، وأشكال المقاومة الصامتة، خارج المتن السردي.

إن السردية التاريخية، حين تُبنى على هذا النحو، تُنتج صورة مبسّطة للماضي، تبدو متماسكة ظاهريًا، لكنها تفتقر إلى العمق التفسيري. فالتاريخ لا يتحرك فقط عبر القرارات الكبرى والأحداث المفصلية، بل عبر التراكم البطيء للتجارب اليومية، وعبر ما يختبره الناس العاديون من تحولات وانكسارات وتكيّفات. وإغفال هذه المستويات لا يُفقِر التاريخ فحسب، بل يُضعف قدرته على تفسير الحاضر.

إن الاعتراف بتعدد السرديات لا يعني نفي الدولة ولا تقويض شرعيتها، بل يعني وضعها في سياقها التاريخي والإنساني، وفهم نشأتها بوصفها عملية معقّدة، لا سردًا مكتملًا منذ لحظته الأولى. فالسردية التاريخية القادرة على الاستمرار هي تلك التي تقبل المراجعة، وتسمح بإعادة التأويل.

في الحالة الأردنية، تبدو الحاجة ملحّة إلى سردية تاريخية أكثر انفتاحًا، لا تُدار بوصفها خطابًا دفاعيًا، بل بوصفها أفقًا للفهم. سردية تعترف بأن الماضي ليس ملكًا لرواية واحدة، وأن الذاكرة، مهما كانت مؤلمة أو متناقضة، جزء لا يتجزأ من تكوين الهوية. فالتاريخ، حين يُروى بوعي نقدي، لا يضعف الحاضر، بل يمنحه عمقًا، ويحرّره من التكرار الأعمى.

وهكذا، لا تكون السردية التاريخية مجرد كتابةٍ عما كان، بل فعلًا مستمرًا لإعادة فهم ما نحن عليه، وكيف وصلنا إليه، وما الذي نختار أن نحمله معنا من الماضي ونحن نتجه إلى المستقبل.

مدار الساعة ـ