أخبار الأردن اقتصاديات دوليات وفيات برلمانيات أحزاب مجتمع وظائف للأردنيين أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات مقالات مختارة مستثمرون شهادة الموقف مناسبات جاهات واعراس جامعات بنوك وشركات خليجيات مغاربيات دين اخبار خفيفة ثقافة رياضة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

مساعدة يكتب: ولي العهد… قيادة بحجم الوطن


جهاد المساعدة

مساعدة يكتب: ولي العهد… قيادة بحجم الوطن

مدار الساعة ـ

في الدول التي تتقدم بثقة، لا يُقاس دور القيادة بما تملكه من صلاحيات، بل بما تتحمله من مسؤوليات. فالقائد الحقيقي لا يكتفي بإدارة المشهد من بعيد، بل يقترب من الملفات الصعبة، ويتابع تفاصيلها، ويشعر أن نجاحها جزء من واجبه الشخصي تجاه وطنه.

ومن هذا المنظور يمكن قراءة الحضور المتزايد لسموّ ولي العهد الأمير الحسين بن عبدالله الثاني في عدد واسع من الملفات الوطنية؛ من التكنولوجيا والتحول الرقمي، إلى الأمن السيبراني، مرورًا بريادة الأعمال والعمل التطوعي، وصولًا إلى قضايا البيئة والسياحة وغيرها من الملفات.

هذا الحضور هو تعبير عن شعور عميق بالمسؤولية. فالأردن بلدٌ محدود الموارد، كبير الطموح، ولا يحتمل ترف البطء أو التسويف. ولهذا يصبح من الطبيعي أن يسعى القائد إلى دفع عجلة العمل حين يشعر أن بعض الملفات تحتاج إلى من يحرّكها.

لكن هذا المشهد يطرح سؤالًا مهمًا ينبغي أن نتوقف عنده بصدق.

فالأردن خلال السنوات الماضية لم يقصّر في دعم بيئة الابتكار وريادة الأعمال. فقد أُنشئت صناديق استثمار، وأُطلقت برامج تمويل، ووفّرت الدولة ومؤسساتها فرص تدريب وتمكين لآلاف الشباب الذين دخلوا عالم المشاريع الناشئة.

وقد نجح عدد من هذه المشاريع بالفعل، وحققت شركات أردنية حضورًا اقتصاديًا لافتًا، ووصلت إلى مستويات إقليمية وعالمية.

غير أن النجاح الاقتصادي، في أي مجتمع، لا يكتمل إذا لم يرافقه شعور مماثل بالمسؤولية الاجتماعية والوطنية.

وهنا تظهر مفارقة تستحق التأمل.

فحين تطلب بعض المؤسسات أو المبادرات الوطنية مساهمة معرفية أو دعمًا تطوعيًا من بعض الشركات أو الرياديين الذين استفادوا من منظومة الدعم الوطني، يأتي السؤال سريعًا ومباشرًا:

كم العائد المالي؟ كم تدفعون؟

هذا السؤال، في حد ذاته، ليس خطأ. فالاقتصاد يقوم على الاستثمار، والاستثمار بطبيعته يبحث عن الربح. لكن المشكلة تبدأ حين يصبح الربح المعيار الوحيد الذي تُقاس به العلاقة مع الوطن.

وهنا يتجلى الفرق بين نهجين في التفكير.

نهجٌ يجسده سموّ ولي العهد يرى في الوطن ميدانًا للخدمة والمسؤولية، في مقابل نهجٍ آخر يختزل العلاقة مع الوطن في ميزان الربح والخسارة.

وحين ننظر إلى النموذج الذي يقوده سموّ ولي العهد، فإن الفارق يصبح واضحًا.

فسموه نراه حاضرًا في قضايا التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، وفي تطوير بيئة ريادة الأعمال، وفي دعم العمل التطوعي، وفي متابعة ملفات البيئة والسياحة والخدمات.

هذا الحضور لا يمكن تفسيره بمنطق الربح أو المصلحة الشخصية. إنه تعبير عن فكرة بسيطة لكنها عميقة:

أن خدمة الوطن مسؤولية لا تُقاس بالعائد الشخصي.

وهنا تكمن الرسالة التي ينبغي أن تصل بوضوح إلى كل من استفاد من فرص هذا الوطن.

فالأردن لم يكن يومًا مجرد سوق اقتصادي، بل منظومة وطنية كاملة وفرت التعليم والبنية التحتية والاستقرار والفرص، ومكّنت آلاف الشباب من بناء مشاريعهم وتحقيق نجاحاتهم.

والواجب الأخلاقي يقتضي أن يعود جزء من هذا النجاح إلى المجتمع الذي ساهم في صنعه.

الدول التي نجحت في بناء اقتصادات معرفية قوية لم تعتمد على التمويل وحده، بل على ثقافة راسخة تقوم على ردّ الجميل للوطن. فكثير من الشركات العالمية التي بدأت صغيرة عادت لاحقًا لتدعم الجامعات، وتموّل الأبحاث، وتشارك خبراتها مع المجتمع؛ لأن النجاح الحقيقي لا يكتمل دون مسؤولية اجتماعية.

الأردن لا يحتاج من رواده أن يعملوا بلا مقابل، ولا أن يتخلوا عن منطق السوق، لكنه يحتاج منهم أن يتذكروا أن نجاحهم لم يكن جهدًا فرديًا خالصًا، بل ثمرة بيئة وطنية كاملة أسهمت في صنع هذا النجاح.

وحين يتحول هذا الإدراك إلى ثقافة عامة، يصبح النجاح الاقتصادي مكسبًا مضاعفًا: للشركة، وللوطن في الوقت نفسه.

فالفرق الحقيقي ليس بين قائدٍ ورياديين، بل بين ثقافتين:

ثقافة ترى الوطن مسؤولية مشتركة، وثقافة تحصر العلاقة معه في حسابات الربح فقط.

وحين ننظر إلى النموذج الذي يقدمه سموّ ولي العهد، فإن الرسالة الأهم لا تكمن في عدد الملفات التي يتابعها، بل في الفكرة التي يمثلها: أن العمل من أجل الأردن ليس شعارًا يُقال، بل التزام يُمارس.

وفي نهاية المطاف، حين يكون الأردن أولًا في الضمير، يصبح النجاح خدمةً للوطن لا مجرد عائدٍ في السوق.

فالوطن لا يُقاس بما نأخذ منه، بل بما نعيد إليه.

مدار الساعة ـ