ما حدث تحت قبة مجلس النواب خلال المناقشة الأولية لمشروع القانون المعدل لقانون الضمان الاجتماعي لم يكن مجرد لحظة انفعال عابرة، بل مشهد سياسي يعكس حساسية قانون يمس الأمن الاجتماعي والاقتصادي لكل بيت أردني. ارتفعت الأصوات، واشتدت الاعتراضات، وبدت القاعة وكأنها ساحة صراع سياسي حول واحد من أهم التشريعات التي تمس حياة المواطنين.
لكن وسط كل هذه الجلبة، يجب أن تبقى الحقيقة واضحة: الحكومة تقوم بدورها الطبيعي عندما تقدم مشاريع القوانين التي تعكس برامجها وأولوياتها. هذا هو جوهر العمل الحكومي في أي نظام سياسي؛ أن تدافع الحكومة عن رؤيتها الاقتصادية والاجتماعية وأن تسعى لتمريرها عبر المؤسسات الدستورية.أما الدور الآخر في المعادلة، فهو دور مجلس النواب.مجلس النواب ليس مجرد ساحة نقاش، وليس منصة اعتراض، بل هو خط الدفاع الأول عن مصالح المواطنين داخل الدولة. مهمته ليست الصراخ تحت القبة، بل التدقيق في التشريعات، وقياس أثرها على المجتمع، وإعادة صياغتها بما يحقق التوازن بين سياسات الحكومة وحقوق الناس.ومن المهم هنا توضيح نقطة جوهرية للرأي العام: قيام رئيس مجلس النواب بتحويل مشروع قانون الضمان الاجتماعي إلى اللجنة المختصة لا يعني إطلاقاً إقراره أو تمريره. هذه الخطوة ليست نهاية المسار التشريعي، بل بدايته الحقيقية. فاللجان النيابية هي المكان الذي تُفكك فيه النصوص القانونية، وتُناقش المواد مادةً مادة، وتُستدعى الجهات المختصة والخبراء والنقابات قبل أن يعود المشروع مرة أخرى إلى القبة للتصويت النهائي.بمعنى آخر، ما حدث في الجلسة الأخيرة لم يكن معركة خاسرة ولا منتصرة، بل مجرد انتقال بالقانون إلى غرفة التشريع الفعلية داخل البرلمان.ومن هنا فإن السؤال الحقيقي ليس: لماذا حدثت الجلبة؟ بل: ماذا سيفعل النواب بعد انتهاء الجلبة؟إن رد الفعل السياسي الحقيقي للنواب لا يكون برفع الصوت داخل القاعة، بل عندما يُطرح القانون لاحقاً للتصويت بعد دراسته. عندها فقط يظهر الموقف السياسي الحقيقي لكل نائب: هل سيقف مع النص الحكومي كما هو؟ أم سيقدم تعديلات جوهرية تحمي حقوق المواطنين؟ أم سيقود معركة تشريعية لإعادة صياغة مشروع القانون بالكامل؟البرلمان لا يُقاس بحجم الاعتراض داخل الجلسات، بل بقدرة أعضائه على تحويل الاعتراض إلى نصوص قانونية معدلة.ولهذا فإن المرحلة القادمة هي الاختبار الحقيقي لمجلس النواب. فمشروع القانون اليوم بين أيدي اللجنة المختصة، وهذا يعني أن الباب مفتوح أمام النواب لإعادة صياغة الكثير من مواده، وإدخال التعديلات التي يرونها ضرورية لحماية حقوق المشتركين والمتقاعدين وضمان استدامة النظام التأميني.لكن هذا الدور لا يجب أن يبقى محصوراً داخل أروقة البرلمان فقط. فالقوانين الكبرى، وخاصة تلك التي تكون بحجم الضمان الاجتماعي، تحتاج إلى حوار وطني واسع يتجاوز الجلسات البرلمانية.على النواب اليوم أن يعودوا إلى قواعدهم الانتخابية، والنواب الحزبيين خاصة عليهم ان يفتحوا نقاشاً صريحاً مع احزابهم السياسية والنقابات المهنية والخبراء الاقتصاديين. فالقانون الذي يمس كل أسرة أردنية يجب أن يُناقش مع المجتمع قبل أن يُحسم داخل قاعة التصويت.والأهم من ذلك، أن هذه اللحظة تمثل فرصة حقيقية لظهور تمايز سياسي واضح داخل الحياة الحزبية والبرلمانية. يجب أن يعرف المواطن بوضوح من يؤيد مشروع القانون ولماذا، ومن يعارضه ولماذا، وما البدائل التي يقدمها كل طرف.إن الحياة السياسية لا تنضج في ظل المواقف الرمادية، بل في ظل وضوح الخيارات. ومن حق المجتمع أن يرى مناظرات سياسية واقتصادية حقيقية حول هذا القانون، تُطرح فيها الحجج والأرقام والبدائل، بدلاً من أن يبقى النقاش محصوراً في لحظات التوتر داخل القبة.الحكومة قامت بدورها عندما قدمت مشروع القانون.لكن الدور الأكبر الآن يقع على عاتق مجلس النواب.فإما أن يتحول البرلمان إلى ساحة جلبة سياسية تنتهي بانتهاء الجلسة، وإما أن يتحول إلى مؤسسة تشريعية حقيقية تعيد صياغة القوانين بما يحمي المجتمع ويعكس إرادة المواطنين.وفي النهاية، لن يُقاس موقف النواب بما قالوه بعد وخلال الجلسات، بل بما سيصوتون عليه عندما يعود مشروع القانون إلى القبة بعد انتهاء أعمال اللجنة.هناك فقط، في لحظة التصويت، ستظهر الحقيقة السياسية كاملة.الحسبان يكتب: الجلبة والشعبويات تحت القبة لا تكفي…
مدار الساعة ـ