ايران امام احتمالين: الأول استمرار الحرب – العدوان ما يعني المزيد من الدمار للبنية التحتية المدنية والعسكرية والمزيد من الابادات لما تبقى من الصف القيادي وشلل متعاظم في الادارة والسيطرة وانهيار للمرافق العامّة .. وبالتزامن انطلاق تمردات اقليمية اثنية في الاطراف ( الكرد، الأذريين، البلوش، عرب الأهواز وغيرهم) فتدخل ايران في مسار تفتت وتشظي كارثي مديد، سبق وشهدته دول اخرى مثل العراق وسوريا ولبنان واليمن وكانت ايران نفسها عبر اذرعها لاعبا رئيسيا فيه. وهذا السيناريو بدأ اساسا بتحرك مجموعات كردية مسلحة في شمال غرب ايران.
يمكن بل يجب قطع الطريق على هذا السيناريو يه بآخر محتمل – ومأمول – هو أن يأخذ فريق براغماتي معتدل سلطة القرار في طهران وربما يكون برئاسة رئيس الجمهورية بزكشيان نفسه المبادرة بعرض وقف الحرب مقابل وقف البرنامج النووي وربما مطالب فرعية اخرى كانت مطروحة على طاولة المفاوضات. كل الجدل حول مستقبل الحرب والمآلات المحتملة تؤدي في النهاية الى احد المسارين. وكلما طال امد الحرب يصبح المسار الأول اكثر ترجيحا بل وسيكون الانزلاق اليه طريقا بلا رجعة وهذا ما تعول عليه القيادة الاسرائيلية وتريد بكل قوة منع ترامب من طرق اي خطة لوقف الحرب ومهما كانت التنازلات من الجانب الايراني. ولن نستغرب ان تكون القيادات الايرانية الاكثر اعتدالا عرضة للاغتيال الاسرائيلي بما فيها رئيس الجمهورية لقطع الطريق على هذا المسار..اسرائيل لا تريد السيناريو الثاني لأن قضيتها الحقيقية ليست السلاح النووي الايراني ولا الصواريخ الباليستية بل وجود الدولة الوطنية الايرانية نفسها كقوة اقليمية رئيسية. ولو اخذ السيناريو الأول مداه بتشظي ايران فسوف تكون مصر هي الهدف التالي. فالعقلية الدينية الفاشية التي تحكم القرار في دولة الاحتلال ليست مهتمة بأي استقرار او سلام بل بالهيمنة والتسلط على محيط تعمه الفوضى والانقسامات والصراعات البينية وهذه العقلية تتغذى على فائض القوة المتوفر لديها ولدى الولايات المتحده عبر الرئيس ترامب الحليف الذي لن تجود بمثله الأيام.ترامب ليس تماما في جيب نتنياهو لكنه قابل للسير كل مرة في أجندة الأخير بقدر ما يتحقق من انجازات عسكرية وتعثر فرص "صفقات جيدة " تمنع الحرب او توقفها. لذلك نراه يبدّل في تصريحاته يوما بيوم ما بين الحديث عن تواصل محتمل مع قيادات ايرانية لوقف الحرب وانجاز حلّ تفاوضي او التصلب والاستمرار في حرب لإسقاط النظام في ايران. يجب الاستثمار في هذا التباين في الاجندات واعطاء ترامب ما يزهو به سياسيا بدل ما يزهو به عسكريا في سباقه الدائم مع نتنياهو. فلما الحرب الدائمة حتى إسقاط نظام لا يتوفر له البديل اساسا اذا كان الضغط العسكري قد حقق هدفه بتغيير موقف النظام ؟!هذا السيناريو الثاني سيجد روافع اقليمية قوية. البلدان العربية والاسلامية وتركيا التي يرعبها كثيرا نشوء تمرد انفصالي كردي على حدودها شمال غرب ايران. وسيجد الدعم من اوروبا ومعظم دول العالم. هذا السيناريو يحاصر الشرّ المطلق الاسرائيلي ويسحب ترامب من تحت مظلته. ويمكن لمجلس الأمن ان يأخذ دورا بتوفير السلّم للأطراف تصعد عليه عبر قرار للمجلس يوقف الحرب ويحدد التزامات جميع الاطراف.لا بدّ ان القيادات المتبقية الأكثر تشددا في ايران هي وراء القرار الغبي بتوسيع نطاق الحرب ليشمل المنطقة بما في ذلك دول اخذت موقفا معلنا قويا ضد الحرب مثل تركيا وعمان والحال ان الاردن ودول الخليج لم تكن طرفا في الحرب واعلنت ان اراضيها لا تستخدم ولن تستخدم لشنّ هجمات وجميع هذه الدول ستؤيد بقوة العودة الى الحل السياسي وليس لها اي مصلحة في تشظي الدولة الايرانية.الخط الذي قاده المرشد الأعلى وقيادات الحرس الثوري في المنطقة قاد الى كوارث وارتد على اذرع ايران وحلفائها والعجيب ان هذا الخط عاد الى نفس الخيارات التي جلبت كوارث كما يحصل اليوم في لبنان فأي حكمة واي مصلحة لأيران او حزب الله او لبنان في عودة الحزب لإطلاق بضعة صواريخ على الاراض المحتملة لا تغير في ميزان القوى ومسار الحرب على الارض. هناك فقط المنطق العاجز الذي يهرب الى التصعيد والتوريط أملا بإشعال المنطقة كلها وتهديد اقتصاد العالم بصورة لا تحتمل وتضغط لوقف الحرب وقد ثبت خطأ وغباء هذا التفكيرلنكن واقعيين. موازين الحرب مختلّة منذ اليوم الأول بنسبة مائة بالمائة والاختراق الاستخباري البشري والتكنولوجي داخل ايران يفوق الوصف. والمهمة التي لا يتقدم عليها اي اعتبار آخر هي انقاذ البلد من الانهيار والتشظي واكاد اجزم ان عملاء اسرائيل في ايران وليس المتشددين وحدهم هم من يدفعون الى اطلاق الصواريخ على بلد مثل قبرص بما دفع الاتحاد الاوروبي كله لبحث التدخل العسكري "لحماية الدول الاعضاء". وكذلك الحال مع اذربيجان التي تعيش اصلا علاقة متوترة مع طهران بسبب المخاوف التقليدية من نفوذ الملالي على شيعة البلاد وهم اغلبية السكان والآن لن تقاوم اذربيجان اغراء دعم تمرد في شمال شرق ايران حيث الأذريين اكثر من عشرة ملايين نسمة يشكلون اكثر من 15 % من سكان ايران.ماذا يعني البرنامج النووي والصواريخ الباليستسة والميليشيات الموالية وحتى سلطة الولي الفقيه اذا الكيان الوطني نفسه قيد التشظي والانهيار! هذه ليست دعوة للاستسلام بل لانقاذ ايران.