أخبار الأردن اقتصاديات دوليات وفيات برلمانيات أحزاب مجتمع وظائف للأردنيين تبليغات قضائية مقالات مقالات مختارة أسرار ومجالس الموقف مناسبات جاهات واعراس مستثمرون شهادة جامعات خليجيات مغاربيات دين بنوك وشركات اخبار خفيفة ثقافة رياضة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

بطاح يكتب: ملاحظات أولية على الحرب الإسرائيلية الأمريكية على إيران


د. أحمد بطاح

بطاح يكتب: ملاحظات أولية على الحرب الإسرائيلية الأمريكية على إيران

مدار الساعة ـ

على الرغم من تمنّيات الكثيرين في هذه المنطقة وحول العالم بألّا تنفجر هذه الحرب الدائرة الآن بين إسرائيل والولايات المتحدة من جهة وإيران من جهة أخرى إلّا أنها انفجرت بالفعل، وإنّ مما لا شك فيه أنه سيكون لها ما بعدها سواء على المنطقة أو على النظام العالمي ككل، وإذا أردنا أن نجري قراءَة أولية لهذه الحرب فإنّنا يمكن أن نسجل بعض الملاحظات الهامة وهي:

أولاً: لا يبدو أن إيران قد استفادت من حرب الـ (12) يوماً الماضية بينها وبين إسرائيل والولايات المتحدة فقد اتّضح بما لا يدع مجالاً للشك أن هنالك خرقاً استخبارياً كبيراً تعاني منه إيران تمخض عن مقتل المرشد الأعلى الإيراني بما له من رمزية سياسية ودينية ومعه ما لا يقل عن (40) من كبار القادة العسكريين (وزير الدفاع، قائد الحرس الثوري....) والمدنيين (مستشار المرشد...). وقد مثل قتل المرشد بهذه السهولة صفعة مُهينة للأجهزة العسكرية والأمنية الإيرانية حيث بدت عاجزة حتى عن حماية الرجل الأول في البلاد.

ثانياً: لم تنجح خطط الولايات المتحدة وإسرائيل في استثارة الشارع الإيراني حيث كانتا تأملان في وثوب جهة ما مُناصرة لهما على السلطة، والواقع أن ما تبين هو العكس حيث نزلت جماهير إيرانية غفيرة إلى الشوارع معبّرة عن حزنها على المرشد ومتوعدةً بالانتقام، كما أنّ إيران الرسمية سرعان ما تمالكت نفسها وطبقت المادة (11) من الدستور والتي تنص على تشكيل قيادة ثلاثية (رئيس الجمهورية، رئيس السلطة القضائية، أحد الفقهاء من مجلس صيانة الدستور) تقود البلاد في المرحلة الانتقالية بل وحدد المرشحين لشغل موقع المُرشد، وقد دلّل ذلك على أنّ النظام الإيراني نظام متجذّر، ومُؤسساتي مُركب، وقادر على مواجهة الأحداث، وإن كان يُعاني من صعوبات داخلية حقيقية (متعلقة بالوضع الاقتصادي أساساً) ويواجه قوتين كبيرتين: قوة الولايات المتحدة التي لا تُضاهى، وقوة إسرائيل المتفوقة جوياً على إيران بما لا يُقاس والمدعومة دعماً كاملاً من قبل الحليف الأمريكي بل والقوى الغربية عموماً.

ثالثاً: وسّعت إيران نطاق ردها على إسرائيل والولايات المتحدة بأن هاجمت -وإن بأسلوب منضبط نسبياً وعلى شكل رسائل- دول الخليج العربي رغم أن هذه الدول بذلت ما في وسعها لتفادي الحرب، كما وعدت إيران بأن الهجمات الأمريكية لن تنطلق من قواعد في بلادها، وحقيقة الأمر أن هذا التوسيع الإيراني لخطوط الجبهة لن يفيدها عسكرياً حيث القواعد قادرة على الدفاع عن نفسها، ولن يفيدها سياسياً حيث إنها تستعدي هذه الدول (بسبب اعتدائها على سيادتها وعلى سيادة بعض الدول الأخرى كالأردن) وتُفهمها على المدى البعيد بأنّ الخطر الإيراني عليها حقيقي وليس مُتوهّما، أمّا اقتصادياً حيث بدأت إيران بمهاجمة بعض مصادر الطاقة في هذه الدول فمن المشكوك فيه أنها ستتّمكّن (حتى لو أغلقت مضيق هرمز) من إحداث اضطراب حقيقي في سوق الطاقة وسلاسل التوريد بفعل التصدي العالمي المُتوقّع لهذه المحاولة، وفي المحصلة فإنّ مهاجمة إيران لدول الخليج العربي وتحرشها بغيرها هي خطوة غير مدروسة جيداً وغير بعيد أن ترتد عليها بشكل أو بآخر حاضراً أو مستقبلاً.

رابعاً: لم تهرع أذرع إيران (أو حلفاؤها إن شئت) كحزب الله في لبنان، والمنظمات العراقية (بالذات حزب الله وحركة النجباء) وأنصار الله الحوثيين إلى نجدتها، باستثناء حزب الله اللبناني الذي أطلق عدداً من الصواريخ على شمال إسرائيل وحيفا انتقاماً لمقتل المرشد الإيراني، الأمر الذي يطرح مزيداً من الأسئلة حول القدرة الفعلية لهذا الحزب ولغيره من هذه الجماعات المسلحة وبخاصة أن دولها (لبنان، العراق، اليمن) ضد استقلاليتها كقوة مسلحة إلى جانب الدولة، وقد وصل الأمر بالحكومة اللبنانية أن أعلنت حظر النشاط العسكري لحزب الله ومطالبته بممارسة النشاط السياسي فقط تاركاً قرار الدخول في الحرب أو عدم الدخول فيها للدولة فقط، وهو ما تُرجم مؤخراً بمفهوم "حصرية السلاح بيد الدولة".

خامساً: تخوض إيران هذه المعركة وحيدة من غير أيّ إسناد حقيقي من القوى الكبرى مثل روسيا والصين برغم وجود اتفاقيات شراكة استراتيجية معهما حيث لم تتضمن هذه الاتفاقيات بنداً خاصاً بالدفاع يتيح لهاتين الدولتين مساعدة إيران عسكرياً، والواقع أن مساعدة روسيا لإيران غير واردة في الظروف الحالية بسبب انشغالها المُكثف في الحرب مع أوكرانيا، وكذلك الأمر بالنسبة للصين التي لم تقدّم نفسها للعالم كقوة عسكرية نافذة بعد وهي تنتظر الفرصة حتى تستكمل بقية مقومات القوة العظمى.

إنّ من المتوقع أن تنجح الولايات المتحدة وإسرائيل في تحجيم القوة الإيرانية إلى حدٍ كبير حتى وإنْ لم تنجحا في هزيمتها هزيمة كاملة، ولكن ذلك إن حدثْ فإنه يخلق فرصة تاريخية لإسرائيل كي تتسيّد المنطقة وتستبيحها أكثر مما تفعل الآن حيث تضرب في كل مكان وبكل حرية، الأمر الذي يُوجب على القيادات العربية وشعوبها أن تتكاتف وتخلق محوراً عربياً (قد تقوده مصر والسعودية أساساً) لكي يقف في وجه المحور الإسرائيلي المدعوم غربياً، ولا بأس طبعاً من الإفادة من التحالف مع تركيا التي يزعجها التمدد الإسرائيلي وإن كانت لا تستطيع أن تفعل الكثير لكونها دولة أطلسية (عضو في حلف الناتو) ولديها كثير من المصالح والاعتبارات، وكذلك مع باكستان الدولة الإسلامية النووية الوحيدة وذات القوة العسكرية المهمة. إنّ ذلك فقط قد ينقذ المنطقة من التغول الإسرائيلي الهادف بكل وضوح إلى خلق إسرائيل الكبرى كما صرح بذلك السفير الأمريكي في إسرائيل (هاكابي)، وكما عبّر قبله عن ذلك رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو.

مدار الساعة ـ