أخبار الأردن اقتصاديات دوليات وفيات برلمانيات وظائف للأردنيين أحزاب مجتمع أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات مقالات مختارة جاهات واعراس مستثمرون شهادة الموقف مناسبات جامعات بنوك وشركات خليجيات مغاربيات دين اخبار خفيفة ثقافة رياضة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

القضاة يكتب: شذرات عجلونية (65)


الدكتور علي منعم القضاة
أستاذ مشارك في الصحافة والتحرير الإلكتروني

القضاة يكتب: شذرات عجلونية (65)

الدكتور علي منعم القضاة
الدكتور علي منعم القضاة
أستاذ مشارك في الصحافة والتحرير الإلكتروني
مدار الساعة ـ

ألا حيّها عجلون من بُرْدَةِ الهوى أسامرها بدرًا؛ فترسمني شمســا

القراء الأعزاء؛ أسعد الله أوقاتكم بكل خير، أينما كُنتُم، وحيثما بِنتُم، نتذاكر سويًّا في شذراتي العجلونية، ففي كل شذرة منها فكرة في شأنٍ ذي شأن، ننطلق من عجلون العنب والذَّهب، عجلون الحُبِّ والعتب؛ لنطوف العالم بشذراتنا، راجيًا أن تستمتعوا بها.

الانتماء للوطن فرض عين

في هذه الحرب المجنونة التي تدور رحاها في منطقة الشرق الأوسط بين طرفين مجرمين، كلاهما عدو، فإن الوقوف في صف الوطن فرض عين على كل من يحمل هويته وينتمي إليه، أو حتى يسكن أرضه الطهور. إن الدفاع عن الوطن عقيدة، وليس منة من أحد عليه.

وإنه لمن الغريب جداً والمُعيب حقاً، أن ترى بعض أبناء جلدتنا ووطننا ينكرون اعتداء إيران على أراضينا، بل ويعتبرونه "حقاً مشروعاً" لها! ولا يُبدون القدر نفسه من الاستنكار، أو ربما يتعامون حين يمتد أذى طهران ليطال البلاد العربية من حولهم. اللهم احفظ بلادنا من كل شر، وادفع عنها الفتن ما ظهر منها وما بطن.

وبما أن لدى إيران صواريخ يتجاوز مداها الألفي (2000) كم، فلماذا لا توجه ضرباتها إلى حاملات الطائرات والبوارج الأمريكية المنتشرة، فإذا فقدت أمريكا هذا المخزون ستستسلم دون شك؟ لماذا تختار مهاجمة المدن والقرى في البلاد العربية؟ أم إن قتل الأبرياء من الأطفال هو ديدنهم ونهجهم الباطني الباطل؟

الانحياز للوطن شرف

إن الانحياز للأوطان ليس عيباً ولا عبثاً، بل هو من تمام الوفاء وكمال الكرامة. وإن كونك غيوراً على أرضك وأهلك، أشرفُ لك بكثير من أن تنصهر في ولاءاتٍ لدولٍ لم تكن يوماً مصدر أمنٍ ولا استقرارٍ لوطنك، ولا لكل ما يحيط به.

إن أبناء تلك البلاد، المشردين الفارين بأعراضهم وأرواحهم من أذى إيران، تزخر بهم الحواضر والبوادي الأردنية؛ فكل قرية وناحية ومدينة، وكل مؤسسة ومطعم ومحطة وقود ومعمل، تضيق بهم وبقصصهم، ومع ذلك هناك من لا يرى "شمس تموز في رابعة النهار".

إنه عمى البصر والبصيرة في آن واحد. أقول هذا لأنني أفترض حسن النية، ولن أذهب إلى ما يراه البعض بالقول إنهم "عملاء" تدفع لهم إيران مما تجنيه من "أموال الخمس"؛ فأنا لا أقبل تخوين أبناء الوطن الواحد أو التشكيك في انتماءاتهم، لكنها غشاوة على عيونهم، هداهم الله ليعرفوا الحقيقة.

ليس انحيازاً للكيان ولا نرجو له الانتصار

إذاً، هو ليس انحيازاً للكيان، ومن يقل بهذا يتصرف بغباءٍ تام، ولا هو عداءٌ لإيران لو كانت فعلاً دولةً صديقة، لكنها دولةٌ مجرمةٌ بالقدر نفسه بحق العرب والمسلمين كما هو إجرام الكيان. هذه الحرب ليست بين طرفين أحدهما صديق والآخر عدو، بل هي بين طرفين مجرمين وكلاهما عدوٌ لنا. إن كلامهم هذا مَعيب، وهو اصطفافٌ أعمى ومنهجٌ بلا ثوابت؛ يتكلمون ليقولوا: "نحن هنا" فقط.

بكل تأكيد إن التحالف مع الكيان الصهيوني جريمةٌ لا تُغتفر، ولكن إيران لا تقل خطورةً ولا إجراماً عن هذا الكيان المجرم؛ فإيران قتلت ما يزيد عن (5) ملايين من العراقيين والسوريين واليمنيين واللبنانيين، وتسببت بتشريد أضعاف هذا العدد في كل دول العالم، وهي لا تقل إجراماً عن إسرائيل أبداً.

وأذكر هنا أيضاً قول الإسكندر المقدوني حين قال: "لا ينبت زرعٌ في أرضٍ تدوسها أقدام فارسية". نعم، إن الفرس كالجراد؛ يقضون على كل معاني الحياة، وكل معاني الحياء في البلاد التي يصلون إليها.

موقف الكيان واضح للعيان

أكد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في كتابه (A Place Among Nations)، والمعروف بالعربية بـ"مكان تحت الشمس" (بين الأمم) (الذي صدرت ترجمته عن دار الجليل في عمان - الأردن)، جملةً من الادعاءات والمخاوف التي تتناقض كلياً مع "اتفاقية وادي عربة"، إذ تجاهل حقوق الأردنيين والفلسطينيين على حد سواء، حين اعتبر أن الأردن جزءٌ من "الأراضي الإسرائيلية" التي "يحتلها العرب" في الضفة الشرقية ويجب "تحريرها"، أو على الأقل تهجير الفلسطينيين إليها لإقامة دولتهم هناك.

ومن هذا المنطلق، فإن "اتفاقية وادي عربة" –برغم أهميتها وأهمية دور الأردن الإقليمي– لم تمنح الأردن "حق الوجود" من وجهة النظر الإسرائيلية اليمينية، وبمعنى آخر، ووفقاً لكلمات نتنياهو: "إن وجود دولة فلسطينية في الضفة الغربية سيؤدي إلى عدم الاستقرار وإلى مزيد من الصراع في المنطقة؛ ولذلك فهي فكرة مضادة بشكل كلي للسلام في الشرق الأوسط، وستقود بالتأكيد إلى حروب جديدة. فضلاً عن أن الدولة الفلسطينية قائمة بالفعل في الضفة الشرقية (الأردن)، وهذه الدولة يحكمها العرب على أرض إسرائيلية، وتُشكل مساحتها أكثر من 80% من مساحة الأراضي الإسرائيلية".

هذا هو الموقف الحقيقي لقادة الصهيونية العالمية، وهو ليس غريباً على العرب ولا على المسلمين، ولا على الأردنيين أو الفلسطينيين الذين يدركون أبعاد هذا الفكر الإقصائي.

إيران شقيقة الكيان بالوقاحة

إن تصريحات قادة إيران لا تقل خطورةً ولا وقاحةً عن تصريحات نتنياهو؛ فقد تباهى القادة الإيرانيون بأن طهران باتت تسيطر اليوم على أربع عواصم عربية، وأصبحت جميعها خاضعةً لنفوذها، وهم يقصدون بكل تأكيد: بغداد، دمشق، بيروت، وصنعاء، وفي تصريحاتٍ متكررة، يزعمون أن مكة المكرمة والمدينة المنورة مدينتان "محتلتان" ويجب "تحريرهما" من (أهل السنة)، وإخضاعهما لحكمهم تحت ستار "آل البيت"؛ علماً بأن النبي ﷺ وآل بيته الكرام عربٌ أقحاح وليسوا فُرساً.

كما يعتقد غلاة الفرس أن "المسجد الأقصى" الحقيقي موجودٌ في السماء، وأن الأقصى الذي في فلسطين والقدس لا يشكل لهم قيمةً عقدية جوهرية، وهذا مثبتٌ في مراجعهم وتصرح به مرجعياتهم. ولتأكيد هذا النهج، قامت الميليشيات التابعة لإيران بتهجير أكثر من (500) ألف فلسطيني من بغداد منذ لحظة سقوطها، واستولت على بيوتهم وأملاكهم، ورمت بهم على الحدود السورية والأردنية بتهمٍ جاهزة؛ أنهم "نواصب" أو "وهابيون" أو "بعثيون"! العالم كله شهد على ذلك، وكذلك الحال حين دمرت تلك الميليشيات مخيم اليرموك في دمشق، وما فعلته بالفلسطينيين في لبنان من قبل؛ فهل أصبحت إيران بقدرة قادر، اليوم، مهتمةً لأمر فلسطين وشعبها؟!

حربٌ عقديةٌ لتحقيق الأحلام

إن هذه الحرب التي يستعر إوارها ليست مفاجئة، بل كان يتم التحضير والتخطيط لها منذ عقود طويلة، وكان يُنتظر الوقت المناسب لتنفيذها؛ وقد حانت هذه اللحظة مع هيمنة الصهاينة على القرار الأمريكي.

إنها حربٌ دينيةٌ عقائدية، جاءت تحقيقاً لأهداف وأحلام توراتية صهيونية كاذبة تتعلق بحلم "إسرائيل الكبرى" من النيل إلى الفرات. وفي المقابل، تأتي تحقيقاً لأحلام فارسية بعودة "إمبراطورية فارس" من جديد لتحكم العرب والمحيط، وليعود "المناذرة والغساسنة" يقتتلون فيما بينهم خدمةً لإيران. ولكن الله بعث الظالمين على بعضهم، ونرجو لكلا الطرفين الهلاك في ظل هذا الصمت العربي المُطبق على الأرجاء؛ إنها حربٌ بُنيت على أكاذيب وأوهام طرفي النزاع.

إيران تتغذى على الخيانة

لم تكن إيران تسعى يوماً للتعايش مع محيطها العربي أو الإسلامي، خلافاً لما يروج له بعض المأجورين الذين يصفون الدول العربية بـ"المتصهينة"؛ أولئك الذين تشتريهم طهران ليكونوا أبواقاً لها عبر المنابر العالمية، وهم يعملون بمبدأ "الهاتف العمومي" الذي يعمل بالدفع المسبق (Pay As You Go) (أبو بريزة).

وهي دولة تعتمد في توسعها على الخيانة، ولذلك تنخر الخيانات جسدها؛ حيث أنشأت إيران جهاز استخبارات خاصاً، عبارة عن وحدة مخصصة لتتبع واستهداف عملاء "الموساد" في الداخل الإيراني حفاظاً على أمن البلاد؛ ولكن ما لم يكن في الحسبان، أن رئيس هذه الوحدة الاستخباراتية نفسه كان عميلاً للموساد، وينفذ مهامه بدقة مع مجموعة مكونة من عشرين (20) عميلاً!

هذا ليس ادعاءً، بل هو اعتراف رئيس إيراني سابق، محمود أحمدي نجاد، الذي قال إن عمليات الاختراق الاستخباراتي وصلت لمستويات هائلة. وفي ذات السياق، يبرز اسم قائد ما يسمى "فيلق القدس" –الذي لم يوجه يوماً سهماً واحداً نحو القدس– إسماعيل قآني، الحاضر في كل الخيانات والناجي من كل الاغتيالات.

ببساطة، وبذات القدر من الغدر، يخرج من أبناء إيران من يبيعون ضمائرهم؛ وإلا فما سر نجاة إسماعيل قآني من كل الضربات؟ ما سر نجاته من الهجوم الذي أودى بحسن نصر الله في لبنان؟ وما سر نجاته من القصف الذي حصد عشرات القادة؟ وما سر غيابه أو نجاته في اللحظات الحرجة؟ هل هو "رئيس الموساد" في إيران، أم مجرد عميلٍ غرسته إسرائيل في أعلى هرم السلطة هناك؟

الشيعة العرب والتشيع الفارسي

وأختم بالقول: إن مقالتي هذه تتعلق بإيران الفارسية، والمقصود بها هم "الفُرس" ومن سار على نهجهم وتسمياتهم اللاحقة؛ كالصفويين ومن تبعهم بغباء. إن "التشيع" الذي أعنيه في مقالاتي هو التشيع الفارسي المقيت، الذي يضمر الحقد للعرب والإسلام، وليس المقصود به أبداً "التشيع لآل البيت" أو "شيعة العرب" الأحرار الذين تضطهدهم إيران وتنكل بهم لمعارضتهم وجودها ورفضهم احتلالها لبلدانهم؛ سواء في العراق، أو سوريا، أو لبنان، أو اليمن، وكذلك في البحرين، وفي كل قطرٍ يوجد فيه شيعةٌ عربٌ أشراف.

عندما أتحدث عن التشيع، فإن القصد ينصبُّ على ما يقترفه الفرس من ممارسات لا علاقة لها بالدين ولا بآل البيت ولا بحقيقة التشيع؛ إنما هو تعبيرٌ عن حقدهم الدفين على العرب والمسلمين الذين نازعوهم السلطة في الشرق.

ثمة فارقٌ جوهري كبير بين "التشيع العربي" و"التشيع الفارسي"؛ فالشيعة العرب الأحرار يرفضون التبعية لإيران لأنها تلاحقهم كما تلاحق غيرهم. لقد كان التشيع العربي منذ القدم غيوراً على العروبة، كتشيع "الدولة الحمدانية" في مواجهة الإمبراطورية البيزنطية، وكان شاعرها "المتنبي" شيعياً شاكياً من تهاوي السلطة العربية، حريصاً على وحدة العرب. هؤلاء هم مَن نعنيهم ونقدرهم، أما من يمارون في غيهم ويتبعون الفرس بغباءٍ مطلق، فليس لهم من العروبة نصيب.

مدار الساعة ـ