أخبار الأردن اقتصاديات دوليات وفيات برلمانيات وظائف للأردنيين أحزاب مجتمع أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات مقالات مختارة جاهات واعراس مستثمرون شهادة الموقف مناسبات جامعات بنوك وشركات خليجيات مغاربيات دين اخبار خفيفة ثقافة رياضة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

اللوزي تكتب: تعريب قيادة الجيش… إرث السيادة الذي نحمله جيلاً بعد جيل


المهندسة نور أحمد اللوزي

اللوزي تكتب: تعريب قيادة الجيش… إرث السيادة الذي نحمله جيلاً بعد جيل

مدار الساعة ـ
اللوزي تكتب: تعريب قيادة الجيش… إرث

في الأول من آذار، لا نستحضر حدثاً تاريخياً فحسب، بل نستعيد لحظة سيادية صنعت ملامح الدولة الأردنية الحديثة، ففي هذا اليوم من عام 1956، اتخذ المغفور له جلالة الملك الحسين بن طلال قراره التاريخي بتعريب قيادة الجيش العربي، فكان القرار عنوان مرحلة جديدة، ورسالة واضحة بأن الأردن دولة كاملة السيادة، حرة الإرادة، لا تقبل الوصاية ولا ترضى إلا أن يكون جيشها بقيادة أبنائها.

أكتب اليوم لا من موقع المتابع، بل من موقع الانتماء. فأنا ابنة المؤسسة العسكرية، ابنة بيتٍ كان والدي حفظه الله– أحد قادة الجيش العربي – يتحدث فيه عن البزة العسكرية بوصفها شرفاً، وعن العلم الأردني بوصفه أمانة، كنت أسمعه يردد أن يوم التعريب لم يكن إجراءً إدارياً، بل كان لحظة استعادة كرامة، ونقطة تحول انتقل فيها الأردن من اكتمال الاستقلال السياسي إلى ترسيخ السيادة الوطنية الكاملة.

لقد أدرك الحسين، ببصيرته القيادية المبكرة، أن الجيش – وهو درع الوطن وسيفه – لا يبلغ غايته السامية إلا إذا كانت قيادته نابعة من صميم الوطن، مؤمنة برسالته، متجذرة في وجدانه، وأن بقاء القيادة الأجنبية، مهما كانت كفاءتها، يبقى قيداً على الإرادة الوطنية، وانتقاصاً من هيبة الدولة، فجاء القرار حاسماً بإنهاء خدمة الجنرال جون باغوت كلوب وكافة القيادات الأجنبية، ليعلن ميلاد مرحلة جديدة من الاعتماد على الكفاءات الأردنية.

كان ذلك القرار إعلان ثقة بالأردنيين، ورسالة بأن هذا الوطن يملك من الطاقات ما يؤهله لقيادة مؤسساته بأبنائه، وبموجبه، بدأت صفحة مشرقة تولى فيها الضباط الأردنيون مواقع القيادة والمسؤولية، فبرزت أسماء وطنية مشهود لها بالكفاءة والانضباط، وأسست لمدرسة عسكرية أردنية متميزة، قائمة على الاحتراف والعقيدة الراسخة.

لقد أسهم التعريب في بناء جيش حديث، عصري في تدريبه وتنظيمه وتسليحه، وأصبح لاحقاً نموذجاً في المهنية والالتزام، وشريكاً فاعلاً في حفظ الأمن والاستقرار، ورسولاً للسلام عبر مشاركاته المشرفة في قوات حفظ السلام الدولية والمستشفيات الميدانية، ولم يكن ذلك ليتحقق لولا شجاعة القرار في لحظة فارقة.

واليوم، وعلى النهج الهاشمي ذاته، يواصل جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين، القائد الأعلى للقوات المسلحة، مسيرة التحديث والتطوير، فشهدت القوات المسلحة نقلة نوعية في إعادة الهيكلة، وتعزيز الجاهزية القتالية، وتطوير منظومات القيادة والسيطرة، والاستثمار في العنصر البشري، بما يواكب تحديات العصر ويعزز مكانة الأردن إقليمياً ودولياً.

إن ذكرى تعريب قيادة الجيش العربي ليست مناسبة للاحتفال فقط، بل هي محطة تأمل في معنى السيادة، وفي قيمة القرار الوطني الحر، هي درس للأجيال بأن الدول تُبنى بالشجاعة، وأن المؤسسات تقوى بالثقة بأبنائها، وأن الكرامة الوطنية لا تُمنح بل تُنتزع بإرادة الرجال.

من موقع الفخر، أقول إن التعريب لم يكن مجرد محطة في التاريخ، بل كان تأسيساً لعقيدة وطنية ما تزال حية في وجدان كل جندي يحمل السلاح دفاعاً عن تراب الأردن، كان قراراً لقائد آمن بوطنه فآمن به وطنه، وصنع جيشاً عظيماً، وصان دولة عظيمة.

رحم الله الحسين الباني، الذي علّمنا أن السيادة موقف، وأدام على الأردن أمنه واستقراره تحت ظل الراية الهاشمية، وليبقَ الجيش العربي المصطفوي كما كان دوماً: عنوان العزة، وحارس الكرامة، ودرع الوطن الذي لا ينكسر.

مدار الساعة ـ