بعد أن أحالت الحكومة مشروع القانون المعدل للضمان الاجتماعي إلى مجلس النواب، وبعد موجة الضغط النيابي والشعبي التي دفعتها إلى إدخال تعديل جوهري يؤكد عدم المساس بأي مستحق للتقاعد المبكر أو الوجوبي أو الاختياري خلال السنوات الأربع المقبلة إطلاقا، ثار عدد من التساؤلات الجوهرية حول طبيعة هذه التعديلات وأثرها الحقيقي على مستقبل النظام التأميني واستدامته المالية.
الحكومة أوضحت أن تطبيق القانون سيبدأ عام 2030 بشكل متدرج، وعلى امتداد عشر سنوات لاحقة، وحتى عام 2040 بالنسبة للتقاعد الوجوبي للذكور والإناث، أي أن التطبيق الكامل لن يكون إلا بعد 14 عاما من نفاذ القانون إذا أقر هذا العام.وهذا الإطار الزمني الطويل يبعث برسالة طمأنة للفئات القريبة من التقاعد، لكنه في الوقت ذاته يطرح سؤالا مباشرا: هل التدرج الزمني كافٍ لضمان الاستدامة، أم أنه مجرد إعادة توزيع للضغوط على سنوات لاحقة؟التساؤل الأهم يتعلق بالدراسات الإكتوارية، القانون يلزم المؤسسة بإجراء دراسة إكتوارية كل ثلاث سنوات، معنى ذلك أن أي معادلة مالية يتم اعتمادها اليوم ستخضع لاختبار جديد بعد ثلاث سنوات فقط.ماذا لو أظهرت الدراسة المقبلة فجوة أكبر من المتوقع؟ هل سنعود إلى تعديل جديد؟ وهل سنبقى في دائرة تعديل كل ثلاث أو أربع سنوات؟ لذلك الاستدامة الحقيقية لا تتحقق بكثرة التعديلات، إنما ببناء نموذج مالي مستقر قادر على امتصاص المتغيرات الديموغرافية والاقتصادية.هناك أيضا تساؤلات حول قدرة التعديلات على تحقيق توازن فعلي بين عدد المشتركين والمتقاعدين، وبين متوسط الأعمار المتوقع ومدة صرف الرواتب التقاعدية، فالمشكلة في أي نظام تأميني لا ترتبط فقط بسن التقاعد، لكن بمعدل النمو في الاشتراكات، وكفاءة إدارة الاستثمارات، ومستوى التهرب التأميني، واتساع القاعدة المشمولة بالضمان.اليوم، وبما أن القانون أصبح أمام مجلس النواب، فإن المسؤولية انتقلت من مرحلة الاستجابة للضغوط إلى مرحلة صناعة القرار المؤسسي، لذلك فإن مجلس الأمة هو صاحب الولاية في التشريع، وهو القادر على توسيع دائرة الحوار الذي بدأ في المجلس الاقتصادي والاجتماعي، ليشمل خبراء إكتواريين، واقتصاديين، وممثلين عن القطاعات المختلفة، فالهدف ليس تعطيل القانون، لكن تحصينه.الفرصة قائمة أمام النواب لقيادة نقاش وطني عميق يجيب عن هذه التساؤلات بشكل منهجي: هل التعديلات تكفي لضمان استدامة طويلة الأمد؟ ما السيناريوهات المحتملة في الدراسات الإكتوارية المقبلة؟ وما حجم المخاطر إذا تباطأ النمو الاقتصادي أو ارتفعت معدلات البطالة؟ وما البدائل الممكنة لتعزيز الإيرادات دون الإخلال بالعدالة الاجتماعية؟إذا لم يُحسم هذا النقاش الآن، فقد نجد أنفسنا بعد ثلاث سنوات أمام دراسة جديدة تعيد فتح الملف من أوله، لذلك، فإن اللحظة الحالية ليست مجرد محطة تشريعية عابرة، لكن مفصل حقيقي في مسار الضمان الاجتماعي، إما أن يتم تثبيت قواعد واضحة ومستقرة تحمي النظام لعقود مقبلة، أو أن يستمر الجدل الدوري الذي يربك المشتركين ويضعف الثقة بالمنظومة، فالقرار اليوم بيد النواب، والمسؤولية تاريخية.