أخبار الأردن اقتصاديات دوليات برلمانيات وفيات أحزاب مجتمع وظائف للأردنيين أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات مقالات مختارة مناسبات جاهات واعراس مستثمرون شهادة الموقف جامعات بنوك وشركات خليجيات مغاربيات دين رياضة اخبار خفيفة ثقافة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

المرزوق يكتب: فلسفة التكيّف الأمني الأردني استراتيجية وطنية في مواجهة التصعيد


محمود عبدالمحسن المرزوق
باحث في الدراسات الأمنية ومكافحة الإرهاب

المرزوق يكتب: فلسفة التكيّف الأمني الأردني استراتيجية وطنية في مواجهة التصعيد

محمود عبدالمحسن المرزوق
محمود عبدالمحسن المرزوق
باحث في الدراسات الأمنية ومكافحة الإرهاب
مدار الساعة ـ

بين ليلة وضحاها تحولت التهديدات المحدّقة إلى نيران متساقطة وانتقل الموقف من حالة ترقب مسلّح إلى حرب مفتوحة. الضربات الأمريكية الإسرائيلية المشتركة التي استهدفت إيران فجر اليوم، والرد الإيراني الصاروخي الذي طال قواعد أمريكية في عمق الخليج العربي، لم يكونا مجرد حدث عابر في عناوين الأخبار، بل حرب تفرض نفسها على الجغرافيا الأردنية، الموجودة في قلب المعادلة الصعبة، وهنا يبرز السؤال الجوهري: كيف تتصرف دولة تقع في منطقة تصادم بين قوى كبرى دون أن تتحول إلى مسرح عمليات لتصفية الحسابات؟

لقد تجسدت الحرب على الأرض بصواريخ باليستية عبرت الأجواء، وسقطت شظاياها على مدن أردنية ، في تحدٍ سافر للقانون الدولي ولإرادة دولة استمرت طوال الأشهر الماضية تعلن بصوت عال (لن نكون ساحة حرب لأياً كان). لقد كان هذا البيان إعلاناً ميدانيا بأن السماء الأردنية خط أحمر، وقد ترجم في مساء هذا اليوم باسقاط 13 صاروخاً باليستي و 49 طائرة مسيرة اخترقت الأجواء، هذه ليست مجرد أرقام في تصريح او بيان عسكري بل كانت رسالة واضحة مضمونها أن المعركة لم تعد محصورة وأن الجيش الأردني يقرأ الخارطة الجوية بشكل دقيق لأن الإنذار دون الفعل هو مجرد ضجيج. هذه الاستجابة السريعة حوّلت التهديد الى رسالة ردع مفهومة للجميع.

ان الموقف الأردني، الذي تبلور على لسان جلالة الملك خلال اتصالاته مع القيادات الشقيقة والصديقة ، أكد مجدداً على ثوابت وطنية لا تقبل المساومة برفضه أن يكون الاردن مسرحا لتصفية الحسابات، وإدانته الاعتداءات الإيرانية على الإمارات والبحرين وقطر والكويت لم يكن فقط تضامن أخوي، بل كان تأكيداً على أن استقرار الخليج جزءاً لا يتجزأ من الأمن القومي الأردني، وأن أي تهديد لهذه الدول هو تهديد مباشر للمنطقة بأكملها. ان هذا الحراك الملكي بمثابة ضمانة سياسية للدولة ضد محاولات جرها إلى مستنقع الحرب. هذا التحرك يحول الأردن من متفرّج على حافة الهاوية إلى فاعل يحاول بناء جسر فوقها.

الكائنات الحية لا تنجو لأنها الأقوى، بل لأنها الأكثر قدرة على التكيّف. ما نشهده اليوم هو امكانية الأردن على التكيّف مع سياق اقليمي متقلب ومتغيرات لم تكن في الحسبان. إن تحويل الصواريخ العابرة في اجوائه إلى دروس مستفادة، وتحويل التهديدات إلى فرص هو جوهر التكيّف الأمني. وهنا يبرزالبعد الاستراتيجي للتوجيهات الملكية الأخيرة بإحداث تحول بنيوي في القوات المسلحة. ان هذا القرار بدا وكأنه استشراف للمستقبل، ولكن اليوم وفي خضم هذه الحرب الاقليمية الشرسة يتحول إلى ضرورة ملحة. إن دمج تقنيات الذكاء الاصطناعي والطائرات المسيّرة والأمن السيبراني في صلب العقيدة العسكرية لم يعد ترفا تقنيا اضافيا، بل هو السبيل الوحيد لمواكبة وتيرة الحرب الحديثة التي لا تعترف بحدود ولا بمسافات.

ان الأردن اليوم ليس خارج المعادلة، ولا هو داخل المستنقع. هو الآن يدير أزمة الإقليم بيد من حديد، وقرارت وطنية ثابتة. فكما أن الآية الكريمة (وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيد) هي حقيقة إلهية، فإن الدولة أقرب إلى مواطنيها من الانزلاق للخطر هو مسؤولية وطنية أثبتتها أحداث اليوم. الحرب لم تنته بعد، لكن الأردن سيد نفسه، وسماؤه خط أحمر، وقراره بيده.

مدار الساعة ـ