أخبار الأردن اقتصاديات دوليات وفيات برلمانيات أحزاب مجتمع وظائف للأردنيين أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات مقالات مختارة مستثمرون شهادة الموقف مناسبات جاهات واعراس جامعات بنوك وشركات خليجيات مغاربيات دين اخبار خفيفة ثقافة رياضة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

العمرو يكتب: صداع التكنوقراط ضرورة لتعزيز بناء دولة المساءلة


نضال الثبيتات العمرو

العمرو يكتب: صداع التكنوقراط ضرورة لتعزيز بناء دولة المساءلة

مدار الساعة ـ

تعيش البيئة الإعلامية الأردنية لحظة اختبار حقيقي بين إعلام يكتفي بنقل التصريحات وإعادة تدوير البيانات، وإعلام يتقدم خطوة إلى الأمام ليطرح الأسئلة التي تُربك المسؤول وتدفعه إلى إعادة حساباته؛ هنا أطرح مفهوماً جديداً للإعلام الأردني أسميه صداع التكنوقراط؛ ذلك النمط من العمل الصحفي الذي لا يصطدم بدافع الإثارة، ولا يتغذى على الشعبوية، بل يشتبك مع القرار العام بأدوات المعرفة الدقيقة، واللغة الرصينة، والبيانات الصلبة.

جوهر الفكرة يقوم على تحويل الإعلامي من ناقل خبر إلى فاحص سياسات؛ فالتجربة العالمية تثبت أن الإعلام الأكثر تأثيراً في صنع القرار لم يكن الأعلى صوتاً، بل الأكثر قدرة على تفكيك الأرقام والفرضيات؛ فمثلاً تحقيقات ProPublica في الولايات المتحدة لم تُحدث ضجيجاً عابراً، بل أرغمت مؤسسات على مراجعة سياسات ضريبية وصحية لأنها استندت إلى تحليل وثائقي عميق؛ كذلك رسّخت The Economist نموذج الصحافة التحليلية التي تخاطب صانع القرار بلغته، لغة المؤشرات والسيناريوهات والجدوى الاقتصادية، و تقارير Reuters الاستقصائية بدورها لم تكتف بسرد الوقائع، بل ربطت بين شبكات المصالح والنتائج التشريعية، فصارت مرجعاً لصنّاع السياسات قبل الجمهور.

صداع التكنوقراط ليس إعلاماً عدائياً، بل إعلام مُزعج بالمعنى الصحي للكلمة؛ يزعج لأنه يقرأ الموازنة سطراً سطراً، ويقارن الوعود بالأداء، ويضع الخطط الحكومية تحت مجهر الكفاءة والكلفة والعائد؛ صفاته تبدأ بالاستقلالية المهنية الصارمة، وتمر بإتقان أدوات تحليل البيانات، وتنتهي بقدرة عالية على تبسيط المعقد دون تسطيح؛ فالإعلامي الذي يسبب الصداع للمسؤول لا يكتفي بسؤال ماذا حدث، بل يسأل لماذا حدث، ومن المستفيد، وما البديل، وكم ستدفع الخزينة ثمناً لذلك؛ ومحاور عمل هذا النموذج واضحة، تبدأ بتحويل الوثيقة الرسمية إلى مادة تحليل، لا إلى خبر بروتوكولي، ثم بناء شراكات معرفية مع خبراء اقتصاد وقانون وإدارة عامة لقراءة القرارات قراءة متعددة التخصصات، يليها الاستثمار في صحافة البيانات بحيث تصبح الأرقام أداة مساءلة لا زينة بصرية، ثم متابعة الأثر بعد صدور القرار، لأن السياسات لا تُقاس بنيّاتها بل بنتائجها، يليها ترسيخ ثقافة المقارنة الدولية، فكل ملف أردني له نظير في دولة أخرى يمكن الاستفادة من تجربتها، سواء في الحوكمة أو الإصلاح الضريبي أو إدارة الموارد.

نحن في الأردن بحاجة إلى هذا الصداع المؤسسي المنضبط، والدولة التي تسعى إلى تحديث إداري واقتصادي حقيقي لا تخشى الإعلام المهني، بل تعتمد عليه كجهاز إنذار مبكر، فوجود إعلاميين تكنوقراط يطرحون أسئلة دقيقة حول كفاءة الإنفاق، جدوى المشاريع، ومخاطر التشريعات، يعزز ثقة المستثمر قبل المواطن، كما أن المساءلة العلنية القائمة على المعرفة تقلل من الشائعات، وتحد من الشعبوية، وتدفع المسؤول إلى تحسين ملفه قبل ظهوره للعلن.

ما أقدمه لكم هنا فكر جديد للإعلام الأردني يجب أن يتجاوز ثنائية الموالاة والمعارضة، ويتجه نحو ثنائية الكفاءة والقصور أو كما وجّه سمو ولي العهد إلى حاجة الأردن إلى اعلام الوطن والمواطن؛ فالمسؤول الكفؤ لن يخشى هذا النوع من الصحافة، لأنه سيجد فيها منصة لعرض منجزه بلغة الأرقام، أما المسؤول المرتبك فسيشعر بالصداع، وهذا تحديداً هو الهدف الإصلاحي.

صداع التكنوقراط ليس أزمة للنظام العام، بل أداة لتقويته؛ فحين يصبح السؤال الدقيق عادة يومية، تتحول الشفافية من شعار إلى ممارسة، ويتقدم الأردن خطوة حقيقية نحو دولة تعتمد على المعرفة في إدارة شؤونها.

مدار الساعة ـ