أخبار الأردن اقتصاديات دوليات برلمانيات وفيات مجتمع وظائف للأردنيين أحزاب أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات مقالات مختارة مناسبات جاهات واعراس مستثمرون شهادة الموقف جامعات بنوك وشركات خليجيات مغاربيات دين اخبار خفيفة ثقافة رياضة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

الضمان.. كان هنا متقاعد


علاء القرالة

الضمان.. كان هنا متقاعد

مدار الساعة (الرأي الأردنية) ـ

في تعديلات "الضمان" لسنا أمام نقاش تقني حول تعديل مادة قانونية، ولا أمام جدل عابر حول سن التقاعد، إنما أمام سؤال وجودي مهم: هل نريد نظاما مستداما يحمي أبناءنا والأجيال المقبلة، أم نكتفي بإرضاء الحاضر والمستفيدين بأنانية على حساب المستقبل؟ فما الحل؟

الحقيقة التي يتجنبها كثيرون أن التأجيل لم يعد حيادا وممكنا، بل أصبح انحيازا للأزمة وتراكماتها التي ورثناها، فكل يوم بلا إصلاح يعني التزامات أكبر، وفجوة أوسع، وخيارات أقل، كما أن كل قرار يرحل اليوم، سيعود غدا بآثار أكثر قسوة وأشد إيلاما، ويصبح علاجها يحتاج إلى معجزات.

الإصلاح الهيكلي لمؤسسة "الضمان"، هو إجراء وقائي لحماية فكرة التقاعد نفسها، فحين تتغير الديموغرافيا، وترتفع معدلات الأعمار، وتتبدل طبيعة سوق العمل، لا يمكن أن تبقى القوانين جامدة وكأن الزمن لا يتحرك، وهذا ما يرفض بعضهم استيعابه بحجة أن التقاعد المبكر الذي هو استثناء، أصبح حقا مكتسبا.

سن التقاعد ليس رقما مقدسا، بل معادلة توازن بين الاشتراكات والمنافع، وحين يختل التوازن، لا تنفع الشعارات ولا حملات الرفض المنظمة، وهنا الأرقام لا تخضع للعواطف، وصناديق "الضمان" لا تدار بالمنشورات ولا بالمشاورات، بل بالحسابات الاكتوارية الصارمة.

هذه الحكومة حاولت وربما للمرة الأولى منذ سنوات أن تواجه الحقيقة بدلا من ترحيلها، وحاولت أن توقف مسلسل التراكم، وأن تضع حدا لثقافة "دعوا من بعدنا يتدبرون أمرهم"، ولكن الضجيج كان أعلى من المنطق، والمصلحة الآنية كانت أقوى من الرؤية بعيدة المدى، فخففت التعديلات، وتراجع الإيقاع.

السؤال الذي يجب أن يواجه الجميع بلا استثناء: متى يكون الوقت مناسبا للإصلاح إذا كان كل مستفيد من الوضع القائم سيستثمر السوشال ميديا لإثارة الخوف؟ والشعبوية تصور ذلك دائما على أنه دفاع عن الناس، بينما هو في حقيقته دفاع عن مكاسب مؤقتة.

لنكن صريحين، أي يوم يمر دون إصلاح حقيقي وكامل، هو دين يسجل على حساب أبنائنا، وكل تنازل عن قرار صعب اليوم، قد يتحول غدا إلى قرار اضطراري أكثر قسوة، وربما أكثر ظلما، كما أن "الضمان" ليس صندوقا انتخابيا ولا ساحة مزايدات، بل صمام أمان اجتماعي، وإن انهار الصمام، فلن ينجو أحد من تبعاته.

خلاصة القول، أخشى أنه عندما يصل المستقبل الذي نتجاهله اليوم، قد يمر أبناؤنا من أمام مبنى "الضمان"، ويقرأون لوحة باهتة على الجدار تقول: "كان هنا التقاعد"، ولهذا أجد أن الفرصة أمامنا ما زالت سانحة لنتنازل عن الشعبويات والأنانية وأن نصلح الآن بشجاعة، أو نبقى على أنانيتنا وشعبوياتنا ونكون قد كتبنا بأيدينا شهادة تآكل منظومة بنيناها لحماية كرامة الناس.

مدار الساعة (الرأي الأردنية) ـ