أخبار الأردن اقتصاديات دوليات برلمانيات وفيات أحزاب مجتمع وظائف للأردنيين مقالات مختارة أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات الموقف مناسبات جاهات واعراس مستثمرون شهادة جامعات دين بنوك وشركات خليجيات مغاربيات ثقافة رياضة اخبار خفيفة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

شديفات يكتب: في وداع أبي معن.. رجالٌ لا يرحلون بل يخلّدهم الأثر والدعاء


أ..د.صادق شديفات

شديفات يكتب: في وداع أبي معن.. رجالٌ لا يرحلون بل يخلّدهم الأثر والدعاء

مدار الساعة ـ

في اليوم الثالث على وفاة المربّي الفاضل مصطفى الراشد الشديفات “أبو معن”، ما يزال الحزن طريًّا كأنه وُلد للتو، يقف عند عتبة الفقد، وما تزال الذكريات تتسلّل إلى القلوب في صمتٍ موجع كأن الغياب لم يكتمل بعد.

ثلاثة أيامٍ فقط… لكنها أثقل من أعوام، بل دهورٌ من ثقل الرحيل؛ لأن الرجال العظام لا يرحلون بصمت، بل يتركون وراءهم ضوءًا لا يخبو وأثرًا لا يغيب.

ما زال المكان يفتقد وقع خُطاك، وما زالت القلوب تُصغي لصوتك في دواخلها، وكأن حضورك لم يغادر التفاصيل الصغيرة التي أحببتها وأحببتنا فيها. لم يكن وجودك عابرًا، بل كان دفئًا يسكن الوجدان، وهيبةً تشبه الطمأنينة، ووقارًا يملأ المجالس.

كنت في ميدان التربية والتعليم صاحب رسالةٍ قبل أن تكون صاحب موقع، وقائدًا يرى في التعليم بناء إنسانٍ ووطن، لا منصبًا إداريًا ينتهي بانتهاء الدوام. آمنت أن المدرسة وطنٌ صغير، وأن الطالب أمانة، وأن العلم هو الطريق الأصدق لصناعة المستقبل وصياغة الغد.

وفي عملك الخيري، كنت يدًا بيضاء تمضي بصمت الكبار. رئيساً للجمعية الخيرية، فكنت صورةً مشرقةً من صور العطاء في بلدة منشية بني حسن، تمشي إلى حاجات الناس وكأنك تمشي إلى قلبك، لا تنتظر ثناءً ولا تلتفت إلى شكر، وتفرح لفرحهم أكثر مما تفرح لنفسك.

وكان حديثك يأسر القلوب قبل الآذان… خطابك مزيجٌ من الحكمة والصدق والإيمان، كلماتٌ تخرج من القلب فتصل إلى القلب بلا استئذان. تهزّ المحافل بثباتك، ويسبق صدقك صوتك، ويكون المعنى في كلامك أعمق من الحروف.

عرفناك أنيق الروح والمظهر، سامي الخُلُق، ثابت المبدأ، قريبًا من الناس بلا تكلّف. حاضرًا في أفراحهم وأتراحهم، ومصلحًا يسير بين المتخاصمين بوقار الحكماء، وكلمة الخير التي تطفئ الحرائق وتجمع القلوب.

واليوم يقف أبناؤك مناراتٍ تحمل اسمك، وأغصانًا وارفة من شجرةٍ طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء. على عاتقهم حملٌ شريفٌ وثقيل في آنٍ واحد؛ حمل الحفاظ على إرثك الطيب، وسيرتك العطرة، وقيمك التي غرستها فيهم قبل أن تغرسها في مجتمعك. نسأل الله أن يجعلهم امتدادًا صالحًا لذلك النور، وأن يعينهم على الوفاء لاسمك الكبير.

يا أبا معن…

في اليوم الثالث على رحيلك نزداد يقينًا أن الحياة لا تقيس الناس بطول أعمارهم، بل بعظمة أثرهم. فكم من أحياءٍ يمشون بين الناس لكنهم ميتو الأثر، لا يتركون سوى الفراغ، وكم من راحلين ما زالوا بيننا لأنهم زرعوا في الأرض ما لا يموت. وأنت ممن خُلّدوا في القلوب قبل الذاكرة، وفي الدعاء قبل الحروف.

وفي هذا الشهر المبارك، نسأل الله أن يتقبلك بواسع رحمته، وأن يجعل قبرك روضةً من رياض الجنة، وأن يرفع درجتك في عليين، وأن يجزيك عن طلابك وأهلك ومحبيك ومجتمعك خير الجزاء.

رحمك الله رحمةً واسعة تليق بطيب قلبك، وجعل الفردوس الأعلى نزلك، وجمعنا بك في دارٍ لا فراق بعدها.

مدار الساعة ـ