أخبار الأردن اقتصاديات دوليات برلمانيات وفيات أحزاب مجتمع وظائف للأردنيين مقالات مقالات مختارة أسرار ومجالس تبليغات قضائية الموقف مناسبات جاهات واعراس مستثمرون شهادة جامعات دين بنوك وشركات خليجيات مغاربيات ثقافة رياضة اخبار خفيفة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

المشاقبة يكتب: الضمان الاجتماعي: التشريعات وحدها لا تكفي… الحوكمة هي التحدي الحقيقي


د. واصل المشاقبة

المشاقبة يكتب: الضمان الاجتماعي: التشريعات وحدها لا تكفي… الحوكمة هي التحدي الحقيقي

مدار الساعة ـ

بعد أن سحبت الحكومة مشروع قانون الضمان الاجتماعي وأدخلت تعديلات على نصوصه، خاصة ما يتعلق بالتقاعد المبكر والوجوبي والاختياري، وحددت جداول زمنية تمتد من عام ٢٠٣٠ وحتى عام ٢٠٤٧ لتطبيق التغييرات تدريجياً، بات واضحاً ان الدولة تتجه نحو اعادة هيكلة طويلة الامد لهذه المنظومة. كما ان استحداث منصب محافظ ونائبين له لشؤون التأمين والاستثمار ليس مجرد تعديل اداري، بل اعتراف رسمي بأن الخلل لم يعد فنياً او عابراً، بل مؤسسياً ومتجذراً.

لكن الحقيقة التي يجب ان تُقال بلا تردد هي ان التحديات التي تواجه الضمان الاجتماعي، في شقيه التأميني والاستثماري، لم تهبط فجأة على رأس الاردنيين. هي نتيجة سنوات من ضعف الحوكمة، وتغليب العلاقات الشخصية والمعرفة الاجتماعية على الكفاءة المهنية، والتردد المزمن في اتخاذ القرارات الصعبة حين كان يجب اتخاذها. هذا توصيف لواقع اداري، لا هجوم على اشخاص، لكنه واقع لم يعد ممكناً تجاهله.

لهذا، فان اي تعديل تشريعي مهما طال امد تطبيقه لن يحقق اهدافه اذا بقيت آليات الادارة والتعيين كما هي. النصوص لا تدير المؤسسات. البشر هم من يديرونها، وحين يكون الاختيار خاطئاً، تصبح افضل التشريعات مجرد حبر على ورق.

استحداث منصب المحافظ ونائبيه خطوة مهمة، لكنها ليست اصلاحاً بحد ذاتها. الاصلاح يبدا من طريقة الاختيار. لا يجوز ان تُملأ هذه المواقع الحساسة بناءً على علاقات شخصية او اعتبارات مجاملة او حسابات ضيقة. اي تعيين يقوم على الولاءات او المعرفة الاجتماعية هو تقويض مباشر لفكرة الاصلاح نفسها. الاصلاح الحقيقي لا يبدا بتعديل المواد القانونية، بل يبدا بكسر ثقافة الاختيار غير المهني واستبدالها بمعيار الجدارة الصارم والقابل للقياس.

واذا كانت هناك جدية حقيقية في الاصلاح، فإن الاختبار الاول سيكون في آلية تعيين المحافظ ونائبيه. اما ان تقوم التعيينات على المنافسة العلنية والمعايير المهنية الواضحة، او تبقى التعديلات مجرد اعادة صياغة للنصوص دون تغيير في النتائج.

المطلوب ليس لغزاً. نحتاج الى محافظ يمتلك خبرة مثبتة في ادارة أنظمة التأمينات الاجتماعية، وفهماً عميقاً للتحليل الاكتواري، وقدرة عملية على ادارة الاستثمار وادارة المخاطر. نحتاج الى قيادة تقرأ المؤشرات المالية والاقتصادية بلغة الارقام لا بلغة الانطباعات، وتلتزم بمعايير الحوكمة الرشيدة والمعايير الدولية لادارة الصناديق التقاعدية. نحتاج الى من يتخذ قرارات مبنية على البيانات، ويؤسس لشفافية حقيقية، ويخضع نفسه ومؤسسته للمساءلة. وان يتحلى من يتولى هذه المسؤولية بأعلى درجات النزاهة والحس والضمير الوطني.

هذه ليست شروطاً مثالية. هذه شروط بقاء. الضمان يدير مدخرات اجيال، وأي خلل في الحوكمة اليوم يعني التزامات مثقلة غداً.

التعديلات التي تمتد حتى عام ٢٠٤٧ قد تعيد ضبط بعض المسارات تدريجياً، لكنها لن تصحح جوهر المشكلة اذا لم يتغير معيار الاختيار. الهيكل الجديد لن يغير شيئاً إذا بقيت الثقافة الادارية ذاتها. المعركة الحقيقية ليست في عدد المواد المعدلة، بل في نوعية من يمنحون سلطة القرار.

الضمان الاجتماعي يحتاج ادارة مستقلة مهنياً، قوية في قرارها، واضحة في معاييرها، لا تخضع لضغط العلاقات ولا لمعادلات المجاملة. دون ذلك، ستبقى التشريعات تتحرك، بينما الواقع يبقى في مكانه.

مدار الساعة ـ