[ خطاب مسؤول إلى صانع القرار ]
في الدول المستقرة ، لا يُنظر إلى الضمان الاجتماعي بوصفه ملفًا إداريًا أو ماليًا عابرًا ، بل كأحد أدوات السيادة الداخلية ، التي تُدار بعقل الدولة لا بعقل المؤسسة . فطريقة إدارة الضمان تعكس ، بشكل مباشر ، مستوى نضج القرار العام ، و قدرة الدولة على صيانة عقدها الاجتماعي مع المواطنين .من هذا المنطلق ، فإن النقاش حول المؤسسة العامة للضمان الاجتماعي لا ينبغي أن يُدار بردّات الفعل أو الحلول الجزئية ، بل ضمن رؤية متكاملة تعيد تعريف العلاقة بين العدالة التقاعدية ، و إدارة الأصول ، و الاستقرار الوطني ، بعيدًا عن التسييس ، و قريبًا من منطق الدولة المستقرة .————————-أولًا : العدالة التقاعدية بوصفها قرارًا سياسيًا لا إجراءً حسابيًا[ حين يصبح الإنصاف شرطًا للاستقرار ]العدالة التقاعدية ليست تفصيلًا فنيًا، بل ركنًا من أركان الشرعية الاجتماعية . أي خلل في هذا الركن ، مهما بدا محدودًا ، ينعكس على ثقة المواطنين بالنظام ككل .الواقع يُظهر تفاوتًا في الاستفادة من المعادلات التقاعدية ، نتج عن تراكم تشريعي و امتيازات تاريخية ، لا عن مبدأ الإنصاف أو توازن المخاطر . معالجة هذا الخلل لا تعني المساس بحقوق مكتسبة ، بل إعادة ضبط المسار للمستقبل بما يحمي النظام من فقدان مشروعيته المعنوية .الخطوات العملية المقترحة :1- معادلات تقاعدية عادلة لمن تجاوز 80% من عدد الإشتراكات الإجمالي.2- إقرار سقف واضح و عادل للاحتساب التقاعدي للمشتركين الجدد . 3- اعتماد تدرّج زمني للمعادلات العليا دون أثر رجعي .4- ربط أي امتياز تقاعدي استثنائي بمعايير وطنية معلنة و محددة .بهذا النهج ، تتحول العدالة التقاعدية من مصدر قلق صامت إلى رافعة ثقة واستقرار .————————-ثانياً : الرواتب العليا و اختلال العدالة التقاعدية[ حين يُستنزف الضمان باسم القانون ] و في سياق الحديث عن العدالة التقاعدية و استدامة الصندوق ، يبرز ملف احتساب الرواتب العليا كأحد أكثر مظاهر الاختلال وضوحًا . فالمعادلات الحالية أتاحة للبعض و تتيح احتساب رواتب مرتفعة جدًا لكبار موظفي الدولة ، و ما يتبعها من بدلات و امتيازات ، فتُنتج التزامات تقاعدية كبيرة خلال مدد زمنية قصيرة نسبيًا ، في مقابل آلاف الموظفين الذين تمتد سنوات خدمتهم لعقود ، دون أن ينعكس ذلك على مستوى تقاعدهم بالقدر ذاته . هذا التفاوت لا يعكس فجوة مالية فحسب ، بل يُضعف فلسفة الضمان ذاتها ، حين يتحول من أداة تضامن اجتماعي إلى آلية تعيد توزيع الموارد من القاعدة الواسعة إلى فئة محدودة في القمة .و من هنا ، فإن : || إعادة جدولة رواتب كبار المشتركين ، و وضع سقوف واضحة و عادلة لما تم إحتسابه سابقاً تحت طائلة المسؤولية ||تمثل خطوة تنظيمية ضرورية لحماية الاستدامة السيادية للصندوق ، دون مساس بالحقوق الأساسية أو بالوظيفة العامة . فهذه المعالجة لا تستهدف أشخاصًا بقدر ما تُعيد التوازن بين حق الفرد و حق الجماعة ، و تؤكد أن الضمان الاجتماعي ، كأحد أهم أعمدة الاستقرار الوطني ، يجب أن يُدار بمنطق الدولة ، لا بمنطق الامتياز .————————-ثالثاً : أصول الضمان … من الحيازة إلى الأثر الاقتصادي[ القيمة الحقيقية للأصول في كيفية إدارتها ] يمتلك الضمان الاجتماعي أصولًا مالية واستثمارية كبيرة ، موزعة بين سيولة نقدية ، و أسهم ، و شركات استراتيجية ، وعقارات في مواقع حيوية . غير أن التحدي الحقيقي لا يكمن في حجم هذه الأصول ، بل في محدودية أثرها الاقتصادي المباشر .حين تُدار الأصول بمنطق الحيازة لا بمنطق الأثر ، تتحول إلى قوة كامنة لا تخلق قيمة مضافة كافية . المطلوب هنا ليس تغيير الملكية، بل تغيير فلسفة الإدارة.الخطوات العملية المقترحة :1- إدراج الأصول القابلة للاستثمار ضمن خارطة وطنية موحّدة عبر وزارة الاستثمار .2- إخضاعها لمعايير السوق من حيث العائد و المخاطر .3- نشر تقارير أداء دورية تعزّز الشفافية و المساءلة .هذه الخطوات لا تضعف الضمان ، بل تعزّز مكانته كمحرّك اقتصادي وطني .————————-رابعاً : القطاع الخاص الكبير … من الاستفادة إلى الشراكة[ الربح في ظل الدولة يقتضي مسؤولية تجاهها ]القطاعات الكبرى ، و في مقدمتها [ البنوك و شركات الاتصالات ] تعمل في بيئة مستقرة وفرتها الدولة ، و استفادت من بنية تشريعية و تنظيمية متينة . هذا الواقع يفرض انتقال العلاقة من منطق الاستفادة إلى منطق الشراكة الوطنية .المقاربة المقترحة لا تقوم على فرض أعباء أو استهداف قطاعات بعينها، بل على تصميم أدوات مساهمة ذكية و محددة .الخطوات العملية المقترحة :1- إنشاء أدوات ادخار وطنية تساهم فيها هذه القطاعات بنسبة محدودة و محددة المدة.2- ربط المساهمة بعوائد واضحة و ضمانات قانونية .3- اعتبار هذه المساهمات جزءًا من المسؤولية المؤسسية ، لا عبئًا ماليًا .بهذا ، يُعاد تعريف دور القطاع الخاص كشريك في الاستقرار ، لا مستفيدًا صامتًا منه .————————-خامساً : تمهيد سيادي ضروري قبل ملف الأوقاف[ حماية القدسية قبل البحث في الجدوى ]قبل الخوض في ملف الأوقاف ، لا بد من تأكيد نقطة محورية بوضوح كامل :لا حديث عن وضع يد ، و لا عن نقل ملكية ، و لا عن مساس بالهوية الدينية أو الاجتماعية للأوقاف .الأوقاف في الأردن تمثل بعدًا دينيًا و اجتماعيًا وسياديًا ، و أي نقاش لا ينطلق من هذا الفهم يُفقد المسألة مشروعيتها من الأساس .————————-سادساً : الأوقاف و الضمان … التكامل المنضبط[ حين تتكامل الأدوات دون أن تتداخل الصلاحيات ]تمتلك وزارة الأوقاف و الشؤون و المقدسات الإسلامية أصولًا ذات قيمة عالية ، بينما يمتلك الضمان أدوات تمويل و خبرة استثمارية طويلة الأمد .التكامل المقترح يقوم على :1- الحفاظ الكامل على ملكية الأوقاف و غاياتها .2- استثمار متحفظ بعوائد مستقرة و طويلة الأمد .3- ضمان الدولة للحوكمة و الرقابة و الالتزام بالرسالة الوقفية .الخطوات العملية المقترحة :1- حصر الأصول الوقفية القابلة للاستثمار دون مساس بالغاية .2- تصميم نماذج شراكة واضحة بعوائد منضبطة .3- إنشاء إطار رقابي مشترك يضمن الشفافية و الاستدامة .————————-سابعاً : الحوكمة … من تعدد الإدارات إلى وحدة القرار[ القرار السيادي الذي لا يحتمل التأجيل ]جوهر التحدي لا يكمن في نقص الموارد ، بل في تشتّت القرار و تعدد المرجعيات . طالما بقيت أصول الدولة موزعة بين إدارات مختلفة ، وتُدار بعقلية حكومية متغيرة ، فإن أي إصلاح سيبقى هشًّا و قابلًا للتراجع ، و مخترقاً من قبل الحكومات .الخطوة السيادية المطلوبة :1- إنشاء إدارة وطنية مستقلة موحدة ، بإرادة ملكية سامية لأصول الدولة و الضمان .2- استقلالية قانونية و مالية واضحة .3- معايير أداء و ربحية معلنة .4- فصل عن المزاج السياسي للحكومات المتعاقبة .هذا القرار وحده ينقل الملف من إدارة الاستحقاق إلى إدارة الدولة .————————-الخاتمة : القرار السياسي و النقلة النوعيةإن ملف الضمان الاجتماعي ، بطبيعته و أثره ، لم يعد مجرد قضية مالية أو إدارية ، بل اختبار مباشر لقدرة الدولة على إدارة أركان استقرارها الاجتماعي و الاقتصادي . التعامل معه بمنهج مؤسسي متكامل ليس خيارًا إداريًا ، بل واجب سياسي يحمي الدولة قبل المؤسسة ، و يصون ثقة المواطنين و يضمن استدامة النظام .إعادة ضبط العدالة التقاعدية ، و تفعيل أصول الضمان ضمن أطر استثمارية واضحة ، و تعزيز الحوكمة بعيدًا عن التقلبات الحكومية ، تشكل خطوات عملية و قابلة للتنفيذ ، تهدف إلى تحقيق توازن طويل الأمد يحمي الجميع ، و يحوّل الضمان الاجتماعي من كيان إداري إلى أداة سيادية حقيقية للنمو والاستقرار .المضي في هذا المسار بهدوء و حزم في آن واحد يكرّس مكانة الدولة و يعزز قدرتها على مواجهة التحديات المستقبلية ، و يؤكد أن الاستقرار لا يُصان بالتأجيل ، بل بالقرار المسؤول القابل للاستمرار . بهذا المعنى ، يمثل المقال نقطة تحول نوعية في إدارة الضمان الاجتماعي ، و يضع معايير واضحة لصانع القرار لصناعة الفعل السياسي المؤثر الذي ينتظره الوطن .|| فالضمان الاجتماعي ليس تفصيلًا ماليًا عابرًا و لا ترفًا إداريًا ||بل لحظة سيادية تُقاس فيها جدّية الدولة في صناعة القرار و حماية استقرارها قبل أن تفرض الأزمات كلمتها .الشديفات يكتب: الضمان الاجتماعي.. صناعة القرار والسيادة من أجل استقرار الدولة
م. مؤيد الرشود الشديفات
نائب رئيس لجنة بلدية منشية بني حسن عضو في المعهد السياسي لإعداد القيادات الشبابية - مشروع الحكومة الشبابية - قطاع الإدارة المحلية - الجيل الثاني
الشديفات يكتب: الضمان الاجتماعي.. صناعة القرار والسيادة من أجل استقرار الدولة
م. مؤيد الرشود الشديفات
نائب رئيس لجنة بلدية منشية بني حسن عضو في المعهد السياسي لإعداد القيادات الشبابية - مشروع الحكومة الشبابية - قطاع الإدارة المحلية - الجيل الثاني
نائب رئيس لجنة بلدية منشية بني حسن عضو في المعهد السياسي لإعداد القيادات الشبابية - مشروع الحكومة الشبابية - قطاع الإدارة المحلية - الجيل الثاني
مدار الساعة ـ