أخبار الأردن اقتصاديات دوليات برلمانيات وفيات أحزاب مجتمع وظائف للأردنيين مقالات مقالات مختارة أسرار ومجالس تبليغات قضائية الموقف مناسبات جاهات واعراس مستثمرون شهادة جامعات دين بنوك وشركات خليجيات مغاربيات ثقافة رياضة اخبار خفيفة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

الشديفات يكتب: الضمان الاجتماعي.. صناعة القرار والسيادة من أجل استقرار الدولة


م. مؤيد الرشود الشديفات
نائب رئيس لجنة بلدية منشية بني حسن عضو في المعهد السياسي لإعداد القيادات الشبابية - مشروع الحكومة الشبابية - قطاع الإدارة المحلية - الجيل الثاني

الشديفات يكتب: الضمان الاجتماعي.. صناعة القرار والسيادة من أجل استقرار الدولة

م. مؤيد الرشود الشديفات
م. مؤيد الرشود الشديفات
نائب رئيس لجنة بلدية منشية بني حسن عضو في المعهد السياسي لإعداد القيادات الشبابية - مشروع الحكومة الشبابية - قطاع الإدارة المحلية - الجيل الثاني
مدار الساعة ـ

[ خطاب مسؤول إلى صانع القرار ]

في الدول المستقرة ، لا يُنظر إلى الضمان الاجتماعي بوصفه ملفًا إداريًا أو ماليًا عابرًا ، بل كأحد أدوات السيادة الداخلية ، التي تُدار بعقل الدولة لا بعقل المؤسسة .

فطريقة إدارة الضمان تعكس ، بشكل مباشر ، مستوى نضج القرار العام ، و قدرة الدولة على صيانة عقدها الاجتماعي مع المواطنين .

من هذا المنطلق ، فإن النقاش حول المؤسسة العامة للضمان الاجتماعي لا ينبغي أن يُدار بردّات الفعل أو الحلول الجزئية ، بل ضمن رؤية متكاملة تعيد تعريف العلاقة بين العدالة التقاعدية ، و إدارة الأصول ، و الاستقرار الوطني ، بعيدًا عن التسييس ، و قريبًا من منطق الدولة المستقرة .

————————-

أولًا :

العدالة التقاعدية بوصفها قرارًا سياسيًا لا إجراءً حسابيًا

[ حين يصبح الإنصاف شرطًا للاستقرار ]

العدالة التقاعدية ليست تفصيلًا فنيًا، بل ركنًا من أركان الشرعية الاجتماعية .

أي خلل في هذا الركن ، مهما بدا محدودًا ، ينعكس على ثقة المواطنين بالنظام ككل .

الواقع يُظهر تفاوتًا في الاستفادة من المعادلات التقاعدية ، نتج عن تراكم تشريعي و امتيازات تاريخية ، لا عن مبدأ الإنصاف أو توازن المخاطر .

معالجة هذا الخلل لا تعني المساس بحقوق مكتسبة ، بل إعادة ضبط المسار للمستقبل بما يحمي النظام من فقدان مشروعيته المعنوية .

الخطوات العملية المقترحة :

1- معادلات تقاعدية عادلة لمن تجاوز 80% من عدد الإشتراكات الإجمالي.

2- إقرار سقف واضح و عادل للاحتساب التقاعدي للمشتركين الجدد .

3- اعتماد تدرّج زمني للمعادلات العليا دون أثر رجعي .

4- ربط أي امتياز تقاعدي استثنائي بمعايير وطنية معلنة و محددة .

بهذا النهج ، تتحول العدالة التقاعدية من مصدر قلق صامت إلى رافعة ثقة واستقرار .

————————-

ثانياً :

الرواتب العليا و اختلال العدالة التقاعدية

[ حين يُستنزف الضمان باسم القانون ]

و في سياق الحديث عن العدالة التقاعدية و استدامة الصندوق ، يبرز ملف احتساب الرواتب العليا كأحد أكثر مظاهر الاختلال وضوحًا .

فالمعادلات الحالية أتاحة للبعض و تتيح احتساب رواتب مرتفعة جدًا لكبار موظفي الدولة ، و ما يتبعها من بدلات و امتيازات ، فتُنتج التزامات تقاعدية كبيرة خلال مدد زمنية قصيرة نسبيًا ، في مقابل آلاف الموظفين الذين تمتد سنوات خدمتهم لعقود ، دون أن ينعكس ذلك على مستوى تقاعدهم بالقدر ذاته .

هذا التفاوت لا يعكس فجوة مالية فحسب ، بل يُضعف فلسفة الضمان ذاتها ، حين يتحول من أداة تضامن اجتماعي إلى آلية تعيد توزيع الموارد من القاعدة الواسعة إلى فئة محدودة في القمة .

و من هنا ، فإن :

|| إعادة جدولة رواتب كبار المشتركين ، و وضع سقوف واضحة و عادلة لما تم إحتسابه سابقاً تحت طائلة المسؤولية ||

تمثل خطوة تنظيمية ضرورية لحماية الاستدامة السيادية للصندوق ، دون مساس بالحقوق الأساسية أو بالوظيفة العامة .

فهذه المعالجة لا تستهدف أشخاصًا بقدر ما تُعيد التوازن بين حق الفرد و حق الجماعة ، و تؤكد أن الضمان الاجتماعي ، كأحد أهم أعمدة الاستقرار الوطني ، يجب أن يُدار بمنطق الدولة ، لا بمنطق الامتياز .

————————-

ثالثاً :

أصول الضمان … من الحيازة إلى الأثر الاقتصادي

[ القيمة الحقيقية للأصول في كيفية إدارتها ]

يمتلك الضمان الاجتماعي أصولًا مالية واستثمارية كبيرة ، موزعة بين سيولة نقدية ، و أسهم ، و شركات استراتيجية ، وعقارات في مواقع حيوية .

غير أن التحدي الحقيقي لا يكمن في حجم هذه الأصول ، بل في محدودية أثرها الاقتصادي المباشر .

حين تُدار الأصول بمنطق الحيازة لا بمنطق الأثر ، تتحول إلى قوة كامنة لا تخلق قيمة مضافة كافية .

المطلوب هنا ليس تغيير الملكية، بل تغيير فلسفة الإدارة.

الخطوات العملية المقترحة :

1- إدراج الأصول القابلة للاستثمار ضمن خارطة وطنية موحّدة عبر وزارة الاستثمار .

2- إخضاعها لمعايير السوق من حيث العائد و المخاطر .

3- نشر تقارير أداء دورية تعزّز الشفافية و المساءلة .

هذه الخطوات لا تضعف الضمان ، بل تعزّز مكانته كمحرّك اقتصادي وطني .

————————-

رابعاً :

القطاع الخاص الكبير … من الاستفادة إلى الشراكة

[ الربح في ظل الدولة يقتضي مسؤولية تجاهها ]

القطاعات الكبرى ، و في مقدمتها

[ البنوك و شركات الاتصالات ]

تعمل في بيئة مستقرة وفرتها الدولة ، و استفادت من بنية تشريعية و تنظيمية متينة .

هذا الواقع يفرض انتقال العلاقة من منطق الاستفادة إلى منطق الشراكة الوطنية .

المقاربة المقترحة لا تقوم على فرض أعباء أو استهداف قطاعات بعينها، بل على تصميم أدوات مساهمة ذكية و محددة .

الخطوات العملية المقترحة :

1- إنشاء أدوات ادخار وطنية تساهم فيها هذه القطاعات بنسبة محدودة و محددة المدة.

2- ربط المساهمة بعوائد واضحة و ضمانات قانونية .

3- اعتبار هذه المساهمات جزءًا من المسؤولية المؤسسية ، لا عبئًا ماليًا .

بهذا ، يُعاد تعريف دور القطاع الخاص كشريك في الاستقرار ، لا مستفيدًا صامتًا منه .

————————-

خامساً :

تمهيد سيادي ضروري قبل ملف الأوقاف

[ حماية القدسية قبل البحث في الجدوى ]

قبل الخوض في ملف الأوقاف ، لا بد من تأكيد نقطة محورية بوضوح كامل :

لا حديث عن وضع يد ، و لا عن نقل ملكية ، و لا عن مساس بالهوية الدينية أو الاجتماعية للأوقاف .

الأوقاف في الأردن تمثل بعدًا دينيًا و اجتماعيًا وسياديًا ، و أي نقاش لا ينطلق من هذا الفهم يُفقد المسألة مشروعيتها من الأساس .

————————-

سادساً :

الأوقاف و الضمان … التكامل المنضبط

[ حين تتكامل الأدوات دون أن تتداخل الصلاحيات ]

تمتلك وزارة الأوقاف و الشؤون و المقدسات الإسلامية أصولًا ذات قيمة عالية ، بينما يمتلك الضمان أدوات تمويل و خبرة استثمارية طويلة الأمد .

التكامل المقترح يقوم على :

1- الحفاظ الكامل على ملكية الأوقاف و غاياتها .

2- استثمار متحفظ بعوائد مستقرة و طويلة الأمد .

3- ضمان الدولة للحوكمة و الرقابة و الالتزام بالرسالة الوقفية .

الخطوات العملية المقترحة :

1- حصر الأصول الوقفية القابلة للاستثمار دون مساس بالغاية .

2- تصميم نماذج شراكة واضحة بعوائد منضبطة .

3- إنشاء إطار رقابي مشترك يضمن الشفافية و الاستدامة .

————————-

سابعاً :

الحوكمة … من تعدد الإدارات إلى وحدة القرار

[ القرار السيادي الذي لا يحتمل التأجيل ]

جوهر التحدي لا يكمن في نقص الموارد ، بل في تشتّت القرار و تعدد المرجعيات .

طالما بقيت أصول الدولة موزعة بين إدارات مختلفة ، وتُدار بعقلية حكومية متغيرة ، فإن أي إصلاح سيبقى هشًّا و قابلًا للتراجع ، و مخترقاً من قبل الحكومات .

الخطوة السيادية المطلوبة :

1- إنشاء إدارة وطنية مستقلة موحدة ، بإرادة ملكية سامية لأصول الدولة و الضمان .

2- استقلالية قانونية و مالية واضحة .

3- معايير أداء و ربحية معلنة .

4- فصل عن المزاج السياسي للحكومات المتعاقبة .

هذا القرار وحده ينقل الملف من إدارة الاستحقاق إلى إدارة الدولة .

————————-

الخاتمة :

القرار السياسي و النقلة النوعية

إن ملف الضمان الاجتماعي ، بطبيعته و أثره ، لم يعد مجرد قضية مالية أو إدارية ، بل اختبار مباشر لقدرة الدولة على إدارة أركان استقرارها الاجتماعي و الاقتصادي .

التعامل معه بمنهج مؤسسي متكامل ليس خيارًا إداريًا ، بل واجب سياسي يحمي الدولة قبل المؤسسة ، و يصون ثقة المواطنين و يضمن استدامة النظام .

إعادة ضبط العدالة التقاعدية ، و تفعيل أصول الضمان ضمن أطر استثمارية واضحة ، و تعزيز الحوكمة بعيدًا عن التقلبات الحكومية ، تشكل خطوات عملية و قابلة للتنفيذ ، تهدف إلى تحقيق توازن طويل الأمد يحمي الجميع ، و يحوّل الضمان الاجتماعي من كيان إداري إلى أداة سيادية حقيقية للنمو والاستقرار .

المضي في هذا المسار بهدوء و حزم في آن واحد يكرّس مكانة الدولة و يعزز قدرتها على مواجهة التحديات المستقبلية ، و يؤكد أن الاستقرار لا يُصان بالتأجيل ، بل بالقرار المسؤول القابل للاستمرار .

بهذا المعنى ، يمثل المقال نقطة تحول نوعية في إدارة الضمان الاجتماعي ، و يضع معايير واضحة لصانع القرار لصناعة الفعل السياسي المؤثر الذي ينتظره الوطن .

|| فالضمان الاجتماعي ليس تفصيلًا ماليًا عابرًا و لا ترفًا إداريًا ||

بل لحظة سيادية تُقاس فيها جدّية الدولة في صناعة القرار و حماية استقرارها قبل أن تفرض الأزمات كلمتها .

مدار الساعة ـ