أخبار الأردن اقتصاديات دوليات برلمانيات وفيات مجتمع وظائف للأردنيين أحزاب أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات مقالات مختارة مناسبات جاهات واعراس مستثمرون شهادة الموقف جامعات بنوك وشركات خليجيات مغاربيات دين اخبار خفيفة ثقافة رياضة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

هياجنة يكتب: تعديلات الضمان الاجتماعي: على ماذا نختلف؟


أ.د. عبد الناصر زياد هياجنه
كلية القانون – جامعة قطر

هياجنة يكتب: تعديلات الضمان الاجتماعي: على ماذا نختلف؟

أ.د. عبد الناصر زياد هياجنه
أ.د. عبد الناصر زياد هياجنه
كلية القانون – جامعة قطر
مدار الساعة ـ

قرأت مقالاً بخصوص تعديلات قانون الضمان الاجتماعي، يتساءل فيه الكاتب على ماذا نتفق؟، وقدم نقاط اتفاق – بحسب تقديره – وأكتب هنا بدوري بصيغة معاكسة على ماذا نختلف؟ فربما اتضحت الفجوة والمغالطات في مسألة تعديلات قانون الضمان الاجتماعي. وأقول تبياناً للمسألة إننا نختلف على المسائل التالية:

أولاً: غياب الشفافية: مَنْ يتحمل مسؤولية ما حدث؟ فلماذا نحن هنا؟ ولماذا لم يتم إثارة مشكلة نقطة التعادل إلا أواخر 2025 علماً مثل هذه المشاكل تظهر مبكراً؟ مَنْ الذي أجرى الدراسات "الإكتوارية" السابقة؟ وكيف تفاجئ الجميع بنتائج الدراسة الأخيرة وهرول نحو اقتراح تعديلٍ صادمٍ للقانون؟

ثانياً: عدم طرح مبدأ المساءلة: فمَنْ أوصلنا إلى هنا؟ ولا يتحدث أحد عن أخطاء أو هدر أو فساد محتمل في قضية بهذا الحجم وتحتاج إلى هذا التعديل الجراحي والقسوة المفرطة بحق الجيل الحالي والأجيال القادمة، فقبل كل شيء، لا بد من تحديد المسؤوليات ومساءلة كل مَنْ ساهم في الواقع الحالي وبأثر رجعي؛ لأن الخطأ في هذه المنظومة الحسّاسة ليس أقل من جريمة أو تقصير جسيم يستوجب التحقيق والمساءلة.

ثالثاً: تحمل العبء: مَنْ يتحمل أعباء وكلفة التعديل؟ الجيل الحالي فقط؟ علماً بان هذا الجيل ما زال يقدم للضمان ولم يأخذ منه شيئاً، بل ويُطلب منه الآن أن يتحمل كلفة اصلاح النظام وحده وهذا غير عادل، فهناك جيل وربما أجيال قدمت للضمان وأخذت منه وما زالت تأخذ! هنا نحن لا نتحدث عن العدالة باعتبارها فكرة نصيّة صماء، بل مفهوم واقعي حقيقي يشعر فيه الجميع أنهم قد أُنصفوا أو تمت معاملتهم بعدالة ومساواة وتوازن. وإذا كنا سنقبل بمبدأ الأثر الرجعي للقانون – مع التحفظ الشديد على ذلك -، فليكن الأثر رجعياً بالنسبة للجميع!

رابعاً: المغالطات والنتائج التقريرية بدون سند: فمثلاً يقول بعضهم بصيغة تقريرية إن هناك اجماع على ضرورة تعديل قانون الضمان الاجتماعي! كيف قرر ذلك، وهل فعلاً هناك اجماع؟ وما هي الطريقة التي بواسطتها توصل إلى وجود مثل هذا الاجماع – إن كان موجوداً فعلاً -؟

وهناك مَنْ يطرح الأمر من زاوية أخلاقية تنطوي على مغالطة يعرف صاحبها أنها لا تصمد أمام الحقائق في مسألة استمرار أحكام التقاعد المبكر للجيل الحالي مثلاً! مع أنه لا يطرح السؤال الأخلاقي نفسه حول مَنْ يتحمل كلفة التعديل! الجيل الحالي الذي ما زال يدفع للضمان ولم يأخذ منه شيئاً؟ أم الجيل الذي دفع للضمان وأخذ منه وما زال يأخذ؟ فأيهما أكثرُ أخلاقيةً؟ أن يتحمل جيلٌ لم يستفد من الضمان شيئاً كلفة إصلاحه؟ أم أن يتحمل جيلٌ استفاد من الضمان كلفة هذا الإصلاح أو حتى بعضاً من الكلفة؟ تحقيقاً للعدالة بين الأجيال وليس للعدالة على حساب الأجيال!

والشيء بالشيء يُذكر، بالأمس غير البعيد حدثت كارثة في الأردن عُرفت حينها بفضيحة "البورصات الوهمية". وهي عملية احتيال كبرى أبطالها مجموعة من النصّابين أوقعوا ألاف الضحايا الطامحين للربح السريع، من خلال تقديم طُعم "ربح" كبير وسريع استفاد منه الجيل الأول من "المستثمرين/ الضحايا" ثم بعد تكاثرِ المستثمرين/الضحايا" اختفى النصّابون واختفت "البورصات الوهمية" وتبخرت الأموال؛ بماذا يختلف الأمر اليوم، إذا كان الجيل الأول وربما الثاني استفادوا، ثم وبعد أن تعاظم عدد المشتركين إجبارياً واختيارياً ستطير المنافع وتزداد المتطلبات ويتحول حلم التقاعد الكريم إلى ما يشبه التركة التي توزع على أصحاب الحصص الشرعية في الميراث؟!

ويحاجج البعض بمصطلح الحقوق المكتسبة، ولا يعتبرون أوضاع الناس وتوقعاتهم وترتيباتهم والتزاماتهم أموالاًُ وأعماراً حقوقاً مكتسبة! لا مشاحة في الاصطلاح، فهي بالحد الأدنى مراكز قانونية وتوقعات مشروعة يجب احترامها وعدم المساس بها جوهرياً، أو إجراء تعديل على شروطها ومقتضياتها بشكل رجعيٍّ، فجٍّ وغير عادل.

كما يقول أحدهم: "ما المشكلة أن يحمل المواطن مع الوطن خمس سنين إضافية من عمره؟" ويتهم أصحاب الحقوق بأنهم يريدون أن "يهبروا من الضمان، ويهربوا" حسب تعبيره. حسناً. فليتفضل هو وأجياله ويقدموا قدوةً حسنةً للناس في التضحية والمسؤولية، وليحملوا مع الجيل الحالي عبء اصلاح المنظومة خدمةً للوطن، أو ليتوقفوا عن التنظير على الناس بالمسؤولية الوطنية.

خامساً: التشكيك واتهام كل من يدافع عن حقوقه بأنه شعبوي! وهذه مصادرةٌ مسبقةٌ للرأي الآخر تُلغي فكرة الحوار من أساسه وتصادر الرأي الآخر أو تشكك فيه. فعلى ماذا سنتحاور إذا كانت نتيجة الحوار مقررة مسبقاً؟! وفي هذا الصدد، فالصحفي أو الكاتب الذي يجد نفسه دائما مصطفاً مع السلطة؛ عليه أن يعيد تعريف نفسه ودوره!

سادساً: حجم ومستوى التعديل، لا يوجد تدرج منطقي ومعقول في التعديلات والأحكام، فمن 252 شهر إلى 360 شهر – هكذا مرةً واحدة - ومن خلال 180 شهر إلى 240 شهر، وتغيير جسيم في معادلة احتساب الراتب المستحق، وغيرها الكثير من الأرقام والنسب.

سابعاً: عدم الشفافية والتضليل، فمسألة تغيير معادلة احتساب الراتب التقاعدي لا يتم الإشارة إليها أو التركيز عليها مع أنها مسألة في غاية الخطورة، بل ربما هي الأخطر، فقد لا يضير الشخص العمل لفترة أطول والدفع أكثر طالما أنه سيحصل بالمقابل على منافع أكبر، ولكن واقع الحال في مشروع التعديلات يُشير إلى أن المعادلة ستكون أن تعمل أكثر، وتدفع أكثر، وتأخذ أقل. وهذا غير عادل بالمطلق.

ثامناً: تضخيم إيجابيات محدودة، فرفع رواتب من لا تبلغ رواتبهم 200 دينار إلى 200 دينار، هذه والله إدانة لمجمل المنظومة التي يحصل فيها الأردني الكريم على هذا الرقم المتواضع من مؤسسة اسمها "الضمان الاجتماعي". وكذلك الحديث عن محافظ من خارج الحكومة لإدارة الضمان أو للمحافظة على الضمان، فهذه مثل تلك؛ تدين المنظومة التي كانت تدير الضمان حكومياً وتزعم أنه مستقل! وكذلك تخفيض التمثيل العمالي والنقابي لصالح تمثيل حكومي أو شبة حكومي.

تاسعاً: خرق الدستور والمبادئ القانونية المستقرة، فلا أحد يرف له جفن حين يُخرق الدستور طولاً وعرضاً؛ فلا مساواة بين أردنيين، ولا عدالة بين الأجيال، ويُقضى بسريان القانون بأثر رجعي، ولا أحد يهتم حين تُنتهك المبادئ القانونية المستقرة كمبدأ العدالة والمساواة والمسؤولية والعقد شريعة المتعاقدين والأمن المدني واليقين القانوني وضمان استقرار المراكز القانونية واحترام التوقعات المشروعة للناس.

لا أرغب بترديد ما يقوله الناس، ولكني أتبنى أكثره، فالتعديلات مجحفة وغير متوازنة بل وصادمة، ويجب ردها جملةً وتفصيلاً، والتفكير بحلول مختلفة وموجودة من خارج جيوب الناس، أو إبقاء الحال على ما هو عليه بانتظار الفرج من الله.

أخيراً، لا أحد يُعارض الإصلاح، ولكن المطلوب هو الإصلاح العادل. هذا وللحديث بقية.

مدار الساعة ـ