أخبار الأردن اقتصاديات دوليات برلمانيات وفيات مجتمع وظائف للأردنيين أحزاب أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات مقالات مختارة مناسبات جاهات واعراس مستثمرون شهادة الموقف جامعات بنوك وشركات خليجيات مغاربيات دين اخبار خفيفة ثقافة رياضة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

التقاعد المبكر… سؤال أخلاقي للجميع


علاء القرالة

التقاعد المبكر… سؤال أخلاقي للجميع

مدار الساعة (الرأي الأردنية) ـ

الحديث عن التقاعد المبكر لا يقاس برقم في تقرير مالي، ولا ببند في تشريع إداري، فعندما يتعلق الأمر بالتقاعد المبكر بصيغته الموسعة، فإن "السؤال الأخلاقي" لا يقل أهمية عن السؤال المالي، بل يسبقه، ويكمن في: هل من العدل أن يتمتع جيل بامتياز التقاعد المبكر، بينما ،أجيال أخرى تدفع كلفة هذا القرار دون أن تستشار فيه؟.

تخيلوا معي شاباً في العشرينات اليوم يدخل سوق العمل مثقلا بتحديات البطالة وارتفاع تكاليف المعيشة، ثم يطلب منه أن يمول تقاعد شخص غادر العمل بالخمسين، وقد يمضي عمره الوظيفي كله يدفع اشتراكات متزايدة، بينما لا يملك أي ضمانة حقيقية بأن الصندوق ذاته سيبقى قادراً على الوفاء بالتزاماته عندما يحين دوره، فأي رسالة نبعثها له؟ اعمل أكثر، وادفع أكثر، وانتظر أقل؟.

المشكلة ليست في الحالات الإنسانية الخاصة، ولا في المهن الخطرة التي تستحق معالجة عادلة واستثناء مدروسا، فهذه كلها حالات ينبغي أن تبقى محاطة بضوابط تحمي أصحابها والنظام معا، لكن الخلل يبدأ حين يصبح الاستثناء قاعدة، وحين يتحول "التقاعد المبكر" إلى خيار مريح اجتماعيا ينظر إليه كمكسب فردي سريع، فيما ترحل كلفته إلى المجتمع كله.

وهنا فليعرف الجميع وممن يطالبون بهذا الامتياز أنه حين يحمل على كاهل غير أصحابه يفقد صفته الأخلاقية، فما كان يعتبر حقا مشروعا بظرف محدد، يتحول لعبء مؤجل حين يعمّم بلا حساب ومن الجميع، فالمعادلة ببساطة تقول إن كل سنة يختصر فيها عمر الاشتراك تعني سنوات إضافية من الصرف، وكل خروج مبكر من سوق العمل يعني مساهمات أقل والتزامات أطول.

الواقع يقول إن الأنظمة التأمينية لا تنهار بين ليلة وضحاها، ولا يصدر عنها صوت تحذير مرتفع ولا تسقط فجأة أمام الأعين، بل تتآكل ببطء، فالالتزامات تتراكم، والفجوة تتسع بصمت، والأعباء ترحل إلى المستقبل ومع ارتفاع متوسط العمر المتوقع، وحينها يكون الإصلاح أكثر قسوة وأعلى كلفة.

قد يكون الدفاع عن التقاعد المبكر موقفاً شعبياً، وقد يبدو أي حديث عن ضبطه أو مراجعته كأنه انتقاص من حقوق الناس لكن الشعبية ليست معيار الحكمة أبدا، فالحكمة تقاس بقدرة القرار على حماية الاستدامة، وعلى أن يبقى النظام قادرا على الوفاء بوعوده للجميع، لا لفئة دون أخرى.

خلاصة القول، أقولها بصراحة وأنا أعتبر أحد المتضررين من هذا التحديث، : إذا ما استمر التوسع في هذا المسار دون مراجعة جادة وشجاعة، فإننا لا نكون فقط قد منحنا امتيازا لجيلنا، بل نكون قد سجلنا دينا مستحقا في ذمة جيلين، جيل يعمل الآن تحت ضغط متزايد، وجيل قادم سيطلب منه إصلاح اختلال لم يشارك في صناعته، ولربما لن يكون موجوداً حين يستحقه، وهنا فلنحكم الأخلاق لا الشعبوية.

مدار الساعة (الرأي الأردنية) ـ