تناول الإعلام في الآونة الأخيرة التعديلات المقترحة على قانون الضمان الاجتماعي، الأمر الذي أحدث صدمةً واضحة لدى شريحة واسعة من المشتركين، الذين ينظرون إلى الضمان بوصفه «استثمار العمر»، لا يملكون بديلًا عنه من أموال أو عقارات، وإنما يملكون هذا الحق التراكمي الذي بنوه على مدى سنوات طويلة من العمل والاقتطاع الإجباري.
وقد تعزّزت هذه الصدمة لأن عددًا كبيرًا من المشتركين بات قريبًا من سنّ التقاعد، سواء المبكر أو الاعتيادي، وكان قد بنى خططه الحياتية والاقتصادية على القواعد السابقة المعمول بها. ومن هنا، فإن أي تعديل تشريعي ينبغي أن ينطلق من مبدأ أساس هو: حفظ الحقوق المكتسبة وعدم المساس بما تم الاتفاق عليه سابقًا، مع البحث في حلول مستقبلية تخصّ الأجيال القادمة دون الإضرار بالحاليين.وفي هذا السياق، يمكن اقتراح مجموعة من الأفكار التنشيطية الواقعية التي تراعي البعد الاكتواري والاجتماعي والاقتصادي معًا:أولًا: إدخال طلبة الجامعات في منظومة الضمان باشتراك رمزي اختياريبهدف غرس ثقافة الادخار التأميني المبكر، وتوسيع قاعدة المشتركين مستقبلًا، دون تحميل الطلبة أعباء مالية مرهقة، وبما يحقق استدامة طويلة المدى للصندوق، ويعزز الانتماء المؤسسي لفكرة الضمان منذ المراحل الأولى من الحياة العملية.ثانيًا: إنشاء نظام اشتراك إضافي اختياري للراغبين في التقاعد المبكر مستقبلًابحيث يُتاح للمشتركين الجدد – أو لمن يرغب – دفع اشتراك إضافي سنوي موزّع على أشهر السنة، مقابل الحصول على مزايا تقاعدية أقرب إلى شروط التقاعد السابقة، وبذلك يتحقق مبدأ العدالة الاكتوارية الطوعية بدل الحلول القسرية الشاملة.ثالثًا: إنشاء نظام قروض تنموية وسكنية وتعليمية من أموال الضمان الاجتماعيتُوجَّه حصريًا نحو:المشاريع التنموية الصغيرة والمتوسطة،أو بناء السكن الأساسي للمشترك،أو تمويل التعليم الجامعي عبر قروض ميسّرة موجّهة لتدريس الطلبة في الجامعات، تُربط بالالتحاق الفعلي بالبرامج التعليمية، ويُعاد سدادها تدريجيًا بعد التخرج والالتحاق بسوق العمل.على أن تُدار هذه القروض وفق أسس مالية مدروسة تضمن الاسترداد الآمن للأموال، وبما يحوّل جزءًا من أموال الضمان إلى استثمار إنتاجي في رأس المال البشري، لا يقل أهمية عن الاستثمار في الإسكان أو المشاريع الاقتصادية، ويخفف في الوقت ذاته من اعتماد الأسر على القروض التجارية ذات الفوائد المركبة المرتفعة.رابعًا: إدماج الواقع الاقتصادي القطاعي في فلسفة الضمان الاجتماعيإن ضعف توسّع الصناعات الخفيفة إلى المتوسطة في الأردن يقلل من عدد الوظائف الصناعية المستقرة، ما أدى إلى تضاؤل قاعدة الاشتراك في الضمان الاجتماعي من القطاع الخاص، وزيادة الاعتماد على القطاع العام، وارتفاع معدلات الهجرة والعمل الخارجي. وقد أفرز ذلك شريحة واسعة من العاملين في الخارج والمشتغلين بأعمال حرّة يعتمدون على الاشتراك الاختياري في الضمان الاجتماعي بوصفه مظلتهم التأمينية الوحيدة، وقد شكّل التعديل الأخير صدمة واضحة لهذه الفئة التي بنت خياراتها المهنية والاغترابية على قواعد مستقرة ومعلومة سلفًا، بما قد يؤدي إلى استنكاف عدد منهم عن الاستمرار في الاشتراك وتقويض الثقة التدريجية بالنظام التأميني.ولا يُستبعد، في هذا السياق، أن تتجه فئة من الشباب إلى مؤسسات مالية أو تأمينية خارجية تستقطب مدّخراتهم وتستثمرها خارج الإطار الوطني، بما يحرم المنظومة المحلية من موارد بشرية ومالية مستقبلية كان يمكن توظيفها في دعم الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي.خامسًا: تدني السياحة الداخلية وانعكاساته على الاستدامة الماليةإن ضعف السياحة الداخلية لأسباب معروفة يؤدي إلى تراجع الإيرادات في قطاعات واسعة من الخدمات، ويحدّ من قدرتها على المساهمة الفاعلة في الاشتراكات التأمينية، مما يزيد الضغط على الخزينة العامة لتعويض الفجوات.وفي هذا السياق، يمكن التفكير في ربط بعض برامج الاشتراك الإضافي أو الحوافز التأمينية بالمشاريع الوطنية الإنتاجية، بما يحقق:توسيع قاعدة الاشتراك دون إثقال كاهل المواطن،تشجيع المشاركة الاقتصادية المحلية،تحويل الضمان من نظام استهلاكي إلى أداة دعم تنموي.سادسًا: المغتربون واستقطاب الاستثمار والكفاءاتيشكّل المغتربون الأردنيون رصيدًا اقتصاديًا وبشريًا مهمًا، ليس فقط من حيث التحويلات المالية، بل أيضًا من حيث الخبرات المهنية والعلمية المتراكمة. ومن هنا، تبرز أهمية إدماجهم بصورة أوسع في منظومة الضمان الاجتماعي عبر:تسهيل اشتراكهم الاختياري وهم في الخارج،احتساب مدد اشتراكهم بما يضمن حقوقهم عند العودة،وربط ذلك بسياسات وطنية تهدف إلى استقطاب استثماراتهم وخبراتهم داخل الأردن، ولا سيما في المؤسسات الوطنية والتعليمية، بما يسهم في تنشيط هذه المؤسسات بالكفاءات بدل استنزافها بالهجرة الدائمة.سابعًا: إدخال الحوافز المنتظمة ضمن قاعدة الاشتراك دون المساس بالحقوق المكتسبةإن كثيرًا من العاملين، ولا سيما في الجامعات والمؤسسات الرسمية، يحصلون على حوافز منتظمة تشكّل جزءًا فعليًا من دخلهم الشهري. وإدخال هذه الحوافز ضمن قاعدة الاشتراك التأميني يعزز العدالة في احتساب المنافع التقاعدية، شريطة عدم المساس بالحقوق المتفق عليها مسبقًا، وعدم تطبيق أي تغيير بأثر رجعي على المشتركين الحاليين.ثامنًا: تشجيع عدم التقاعد المبكر وتحسين بيئة العملبدل الاعتماد على القيود التشريعية وحدها للحد من التقاعد المبكر، يمكن اعتماد سياسات تشجيعية إيجابية، من خلال:تحسين بيئة العمل في القطاعين الحكومي والخاص، بما يعكس صلة الضمان الاجتماعي بواقع الموظف،توفير تأمين صحي وخدمات اجتماعية أفضل للعاملين المتقدمين في السن،إتاحة أنماط عمل مرنة جزئيًا،تشجيع الاشتراك المزدوج في الضمان الاجتماعي مع الاحتساب العادل،وتحفيز الموظف العمومي على العمل في أعمال حرة، حيث الجودة والمنافسة هي الأساس في السوق.فالتقاعد المبكر في كثير من الحالات ليس خيار رفاه، بل هروب من ضغوط العمل وضعف جودة الحياة الوظيفية، بينما تحسين بيئة العمل وتحفيز المبادرات الفردية يضمن حياة وظيفية أفضل ويعزز الاستدامة المالية والاجتماعية للضمان.خلاصةإن هذه المقترحات لا تنطلق من منطق رفض الإصلاح، بل من منطق الإصلاح المتدرج العادل، الذي يوازن بين:الاستدامة المالية لمؤسسة الضمان الاجتماعي الأردني،العدالة الاجتماعية للمشتركين،والاستقرار النفسي والاقتصادي للمواطن،وتحسين بيئة العمل وربطها بالضمان الاجتماعي كأساس للاستدامة الشاملة.فالضمان الاجتماعي ليس مجرد نظام تقاعدي، بل هو عقد اجتماعي طويل الأمد بين الدولة والمواطن، وأي مساس به دون توافق مجتمعي واسع قد ينعكس سلبًا على الثقة العامة، وهي رأس المال الحقيقي لأي إصلاح اقتصادي ناجح.أفكار مقترحة لتنشيط الضمان الاجتماعي في ضوء الواقع الاقتصادي الأردني
مدار الساعة ـ