أخبار الأردن اقتصاديات دوليات وفيات برلمانيات وظائف للأردنيين أحزاب مجتمع أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات مقالات مختارة جاهات واعراس مستثمرون شهادة الموقف مناسبات جامعات بنوك وشركات خليجيات مغاربيات دين اخبار خفيفة ثقافة رياضة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

البطوش يكتب: المناعة الأخلاقية


محمد البطوش

البطوش يكتب: المناعة الأخلاقية

مدار الساعة ـ

في زمنٍ تتسارع فيه التحولات السياسية والاقتصادية والتقنية، وتتشابك فيه المصالح وتضطرب فيه المعايير، تصبح المجتمعات أحوج ما تكون إلى ما يمكن تسميته بـ"المناعة الأخلاقية".

فكما يحمي الجهاز المناعي الجسد من الأمراض، تحمي المنظومة القيمية السليمة الأفراد والمؤسسات والدول من الانهيار الداخلي، ومن التآكل البطيء الذي يبدأ حين تتراجع القيم أمام المصالح الضيقة.

المناعة الأخلاقية ليست شعارات تُرفع في المناسبات، ولا خطبًا تُلقى في المنابر، بل هي سلوك يومي يتجسد في الأمانة، والعدل، والشفافية، واحترام القانون، وتحمل المسؤولية. إنها القدرة على مقاومة الإغراء حين يغيب الرقيب، وعلى قول الحقيقة حين يسود الصمت، وعلى الانحياز للمصلحة العامة حين تتضارب المصالح.

وتبدأ المناعة الأخلاقية من الأسرة، حيث تُغرس قيم الصدق والانضباط واحترام الآخر. ثم تتعزز في المدرسة والجامعة، عبر بناء وعي نقدي يميز بين الحق والباطل، وبين الرأي والمعلومة، وبين الحرية والفوضى. وتترسخ في مؤسسات الدولة حين تُطبق القوانين بعدالة، ويُكافأ المجتهد، ويُحاسب المسيء، دون تمييز أو محاباة.

وفي المجال العام، تشكل المناعة الأخلاقية خط الدفاع الأول في مواجهة الفساد، وخط الأمان في حماية المال العام، وسدًّا منيعًا أمام الاستغلال أو توظيفها لمآرب شخصية.

فالمجتمع الذي يتمتع بمناعة أخلاقية قوية لا يحتاج إلى رقابة صارمة بقدر ما يحتاج إلى ضمير حي، لأن الرقابة الحقيقية تنبع من الداخل قبل أن تُفرض من الخارج.

كما أن للإعلام دورًا محوريًا في تعزيز هذه المناعة، عبر ترسيخ ثقافة المساءلة، وكشف التجاوزات بمهنية، وتقديم النماذج الإيجابية التي تستحق الاقتداء. فالكلمة الصادقة ليست مجرد نقل خبر، بل هي مسؤولية أخلاقية تسهم في تشكيل وعي المجتمع وتحصينه.

غير أن أخطر ما يهدد المناعة الأخلاقية هو التطبيع مع الخطأ، حين يصبح الفساد "أمرًا عاديًا"، أو تُبرر المخالفات بحجة الضرورة، أو يُختزل النجاح في المكسب المادي وحده. عندها يبدأ الضعف بالتسلل، ويصبح الانهيار مسألة وقت لا أكثر.

إن بناء المناعة الأخلاقية مشروع وطني طويل الأمد، يحتاج إلى مي يؤمن بالقيم قبل المصالح، وإلى مؤسسات تترجم المبادئ إلى إجراءات، وإلى مواطن يدرك أن كرامته لا تنفصل عن نزاهته، وأن قوة وطنه تبدأ من قوة ضميره.

فالأوطان لا تسقط فجأة، بل تضعف حين تتآكل قيمها ،وإذا أردنا مجتمعًا قويًا، واقتصادًا متينًا، ودولةً عادلة، فعلينا أن نستثمر أولًا في أخلاقنا؛ لأن المناعة الأخلاقية هي الأساس الذي تُبنى عليه كل مناعة أخرى.

مدار الساعة ـ