أخبار الأردن اقتصاديات دوليات برلمانيات وفيات أحزاب مجتمع وظائف للأردنيين مقالات مختارة أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات الموقف مناسبات جاهات واعراس مستثمرون شهادة جامعات دين بنوك وشركات خليجيات مغاربيات ثقافة رياضة اخبار خفيفة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

ابو خضير يكتب: الهرج في غياب مبررات الدمج


د بسام ابوخضير

ابو خضير يكتب: الهرج في غياب مبررات الدمج

مدار الساعة ـ

تعود إلى الواجهة بين الحين والآخر فكرة دمج وزارة التربية والتعليم مع وزارة التعليم العالي والبحث العلمي تحت مظلة واحدة، باعتبارها خطوة إصلاحية تعزز تكامل المنظومة التعليمية وتعيد ضبط بوصلتها الوطنية.

وبين مؤيد يرى في الدمج مدخلاً للتحديث، ومعارض يخشى تضخم البيروقراطية، تبقى المسألة أعمق من مجرد قرار إداري، وأقرب إلى سؤال استراتيجي حول مستقبل التعليم في الأردن.

التعليم منظومة واحدة تبدأ من الصفوف الأولى ولا تنتهي عند بوابات الجامعات، غير أن الفصل المؤسسي بين التعليم العام والتعليم العالي أفرز عبر السنوات فجوات ملموسة بين مخرجات المدارس ومتطلبات الجامعات، وبين تخصصات الجامعات واحتياجات سوق العمل. هنا يبرز أحد أهم مبررات الدمج، توحيد الرؤية والسياسات، بحيث تُبنى المناهج المدرسية على أساس مهارات المستقبل، وتُخطط التخصصات الجامعية وفق أولويات الاقتصاد الوطني، ضمن إطار وطني شامل لا يعرف الازدواجية ولا تضارب المرجعيات.

كما أن الضغوط المالية التي تواجه الدولة تفرض البحث عن صيغ أكثر كفاءة في الإدارة العامة. فالدمج قد يسهم في تقليص التكرار في الهياكل الإدارية، وتوحيد دوائر التخطيط والتشريع والرقابة، بما يحقق وفراً مالياً ويعزز الحوكمة الرشيدة. غير أن هذا المكسب المحتمل لا يتحقق تلقائياً، بل يتطلب إعادة هيكلة مدروسة لا تكتفي بجمع المسميات تحت لافتة واحدة.

في المقابل، لا يمكن تجاهل الفوارق الجوهرية بين القطاعين. فالتعليم المدرسي قطاع جماهيري واسع، يتعامل مع مئات آلاف الطلبة وآلاف المدارس يومياً، بينما التعليم العالي يقوم على استقلالية الجامعات، والبحث العلمي، والشراكات الدولية. جمع هذين العالمين في وزارة واحدة قد ينتج جهازاً ضخماً مثقلاً بالتفاصيل، إذا لم يُصمم بعناية ومرونة، وقد يطغى أحد الملفين على الآخر تبعاً لضغط الأحداث والظروف.

لذلك فإن السؤال الجوهري ليس: هل ندمج أم لا؟ بل: ما المشكلة التي نريد حلها تحديداً؟ إن كانت المشكلة ضعف التنسيق، فقد يكون الحل في مجلس وطني أعلى للتعليم يضع السياسات العامة ويضمن التكامل بين المراحل. وإن كانت المشكلة في تضارب التشريعات أو ازدواجية التخطيط، فقد يكون الدمج خياراً منطقياً ضمن رؤية إصلاحية أوسع.

التجارب الدولية تقدم نماذج متعددة؛ فبعض الدول تعتمد وزارة واحدة للتعليم بمراحله كافة، وأخرى تفصل بينهما لضمان التركيز المتخصص. والفيصل في نجاح أي نموذج ليس شكله التنظيمي، بل كفاءة إدارته، ووضوح أهدافه، واستقراره التشريعي.

إن إصلاح التعليم لا يبدأ بتغيير اللوحات على أبواب المباني، بل بتحديد فلسفة تعليمية وطنية واضحة: ماذا نريد من المدرسة؟ وماذا نريد من الجامعة؟ وكيف نجعل بينهما جسراً لا فجوة؟ فإذا كان الدمج وسيلة لتحقيق هذا التكامل، فهو جدير بالدراسة. أما إذا كان مجرد إجراء شكلي لخفض عدد الوزارات، فلن يضيف جديداً إلى واقع نطمح جميعاً إلى تطويره.

في النهاية، يبقى التعليم هو الاستثمار الأهم في مستقبل الدولة، وأي قرار بشأن هيكليته يجب أن يُبنى على دراسة معمقة، وحوار وطني واسع، ورؤية بعيدة المدى تضع مصلحة الطالب والوطن فوق كل اعتبار.

مدار الساعة ـ