أخبار الأردن اقتصاديات دوليات برلمانيات وفيات أحزاب مجتمع وظائف للأردنيين مقالات مختارة أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات الموقف مناسبات جاهات واعراس مستثمرون شهادة جامعات دين بنوك وشركات خليجيات مغاربيات ثقافة رياضة اخبار خفيفة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

عاشور يكتب: السرديّة الأردنية… من جندِ التاريخ إلى دولة الوثيقة في عصر الرقمنة


الدكتور ثائر عاشور

عاشور يكتب: السرديّة الأردنية… من جندِ التاريخ إلى دولة الوثيقة في عصر الرقمنة

مدار الساعة ـ

في زمنٍ تتكاثر فيه المنصّات وتتراجع فيه معايير التثبّت، لم تعد المعركة على الأرض وحدها، بل على الرواية أيضاً. والسردية التي لا تُوثَّق تُختزل، والتي لا تُكتب تُشوَّه. من هنا، يصبح توثيق السردية الأردنية واجباً وطنياً، لا ترفاً فكرياً، لأن الأمم التي لا تصوغ قصتها بأقلامها، تُصاغ عنها قصص لا تُنصفها.

الجذر الذي لم ينقطع

حين نعود إلى كتب التراث الكبرى، مثل الأنساب للإمام عبد الكريم السمعاني، و**سير أعلام النبلاء** للإمام شمس الدين الذهبي، نجد أن “الأردن” لم يكن لفظاً عابراً، بل اسماً لإقليم معروف من أجناد الشام، وحاضراً في النِّسبة “الأردني” التي حملها علماء ورواة.

هذا الحضور لا يعني قيام دولة وطنية بالمفهوم الحديث، لكنه يثبت استمرارية الاسم والحيّز في الوعي التاريخي. هنا تبدأ الحلقة الأولى من السردية: اسمٌ متجذّر في الجغرافيا، ثابتٌ في الذاكرة، متصلٌ عبر القرون.

من الجغرافيا إلى الدولة

التحول المفصلي جاء عام 1921، حين تأسست إمارة شرق الأردن بقيادة الملك عبد الله الأول بن الحسين طيب الله ثراه. لم يُخترع الاسم، بل أُعيد تثبيته في إطار كيان سياسي حديث. انتقل “الأردن” من توصيف إداري ضمن بلاد الشام إلى دولة ذات مؤسسات وحدود وسيادة.

ثم جاء عهد الملك الحسين بن طلال طيب الله ثراه فكان الباني ، فترسخت فكرة الاستمرارية دون قطيعة، وتعمّقت الهوية الوطنية الجامعة، وتكرّس مفهوم الدولة المستقرة في محيط مضطرب. لم تكن السردية صدامية، بل توازناً بين الشرعية التاريخية والبناء المؤسسي.

وفي عهد الملك عبد الله الثاني ابن الحسين حفظه الله ورعاه دخلت السردية مرحلة التحديث؛ حيث تلازم ترسيخ الاستقرار الداخلي مع حضور إقليمي فاعل، وصياغة خطاب سياسي يقوم على الاعتدال والعقلانية، دون التفريط بالثوابت.

بهذا المعنى، تتكامل الحلقات:

جذرٌ تاريخي ثابت،

وكيانٌ سياسي راسخ،

ودولةٌ حديثة تُجيد إدارة توازناتها.

فلسطين… توأمة المصير لا علاقة لجوء

في قلب السردية الأردنية تقف فلسطين. العلاقة لم تكن يوماً علاقة استضافة تقليدية، بل علاقة امتزاج في الدم والمصير. لم يعتبر الأردني الفلسطيني غريباً، لأن الحدود لم تفصل الوجدان. تقاسم الناس الأرض والماء واللقمة، لا من باب المنّة، بل من باب القرابة التاريخية والإنسانية.

وفي ميادين القتال، حمل الجيش الأردني اسماً لم يكن شعاراً بل عقيدة: الجيش العربي. في معارك مثل باب الواد واللطرون عام 1948، سُطّرت صفحات من التضحية بقيت حاضرة في الذاكرة الوطنية. لم تكن تلك الوقائع مادة خطابية، بل جزءاً من سجل موثق في تاريخ المنطقة.

بين الذاكرة والوثيقة

غير أن الذاكرة، مهما كانت حيّة، لا تكفي في عصر البيانات. اليوم، أصبح التشويه صناعة، وباتت الشائعة تنتشر أسرع من الوثيقة. وما يُثار أحياناً من روايات مضلِّلة حول أدوار الأردن الإقليمية أو بنيته السياسية، لا يُواجَه بانفعال، بل بعمل مؤسسي هادئ قائم على التوثيق.

من هنا تبرز الحاجة إلى مشروع وطني شامل يقوم على:

• جمع الوثائق الرسمية والعسكرية وإتاحتها رقمياً للباحثين.

• تسجيل شهادات رجالات الدولة الذين عاصروا التحولات المفصلية.

• إنتاج أعمال معرفية وإعلامية تستند إلى الأرشيف لا إلى المزاج.

• تعليم الأجيال أن الدفاع عن الوطن يبدأ بحفظ روايته.

السردية كوثيقة شرف

السردية الأردنية ليست خطاباً عاطفياً، ولا تبريراً سياسياً عابراً. إنها امتداد اسمٍ عبر القرون، تحوّل إلى كيان سياسي، ثم إلى نموذج استقرار في منطقة متقلبة. بين “جند الأردن” في كتب التراث، و“المملكة الأردنية الهاشمية” في واقع اليوم، خيطٌ متصل صنعته الجغرافيا، وثبّته التاريخ، وأدارته القيادة برؤية دولة.

الأردن لم يكن يوماً هامشاً في محيطه، ولم يتاجر بقضاياه، ولم يُساوم على ثوابته. ورغم محدودية موارده، ظل واسع القلب والموقف.

أمَا آن أن نُحصّن هذه الحقيقة بالوثيقة؟

أمَا آن أن نُعلّم أبناءنا أن الرواية الوطنية ليست ترفاً ثقافياً، بل جزءاً من الأمن المعرفي للدولة؟

في عصر الرقمنة، تُدار الأمم بالبيانات، وتُقاس قوتها بقدرتها على إدارة سرديتها. والأردن، بتاريخ اسمه وعمق جذوره وثبات قيادته، أولى بأن يُروى تاريخه بلسان وثائقه، لا بأصوات من يختزلونه.

إنها مسؤولية جيل…

ومسؤولية دولة…

ومسؤولية ضمير.

مدار الساعة ـ