أخبار الأردن اقتصاديات دوليات وفيات برلمانيات أحزاب مجتمع وظائف للأردنيين أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات مقالات مختارة مستثمرون شهادة الموقف مناسبات جاهات واعراس جامعات بنوك وشركات خليجيات مغاربيات دين اخبار خفيفة ثقافة رياضة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

العتوم يكتب: دوغين وثورة ترامب


د. حسام العتوم

العتوم يكتب: دوغين وثورة ترامب

مدار الساعة ـ

إنه كتاب ألكسندر دوغين المفكر الروسي الكبير ، و صاحب نظرية عالم متعدد الأقطاب بعنوان ( ثورة دونالد ترامب ) الذي ترجمه إلى العربية علاء عمر ، و صدر ، عن دار هاشم للنشر عام 2025 هنا في عمان ، و الكتاب مكون من 278 صفحة ، ويتحدث في السياسة المعاصرة ، و يعكس فلسفة الكاتب .

و يتحدث الكتاب عن الدولة العميقة في الولايات المتحدة الأمريكية ، وعن نظرية جاك لا كان المحلل النفسي الفرنسي ، و أيدولوجيا ترامب ، و عهد بايدن ، و العملية العسكرية الروسية الخاصة ، وكيف يريد ترامب مثل بوتين ، و أوكرانيا و ترامب ، و أمريكا ترامب ، و النخب الأمريكية الجديدة ، و جولات ترامب وسط الكوكب ، و الإسلام ، و تفاصيل عديدة أخرى .

لكن عام 2026 شهد تحولات سياسية جذرية عديدة في مقدمتها التقارب الروسي – الأمريكي ، و الشرخ العميق بين الولايات المتحدة الأمريكية و الاتحاد الأوروبي ، و الكلام هنا لي ، وهو الذي ينذر بانقسام سياسي و عسكري غربي يشمل التكوين الذي يتألف منه حلف ( الناتو ) . وكيف سبق لروسيا – بوتين أن عرضت على أمريكا – كلينتون دخول ( الناتو ) عام 2000 للجم الحرب الباردة و سباق التسلح ، وهو الذي لم يرد في كتاب دوغين هذا .

و بطبيعة الحال الكتاب صدر عام 2025 ،و الأحداث تسارعت بعد ذلك ، و ما كتبه دوغين عميق ، و المستجدات التي جاءت لاحقا عام 2026 عصفت بالكثير من المعتقدات و الأفكار ، لكن قاعدة الفلسلفة تبقى في مكانها ، و يبنى عليها . و شمل الكتاب أمريكا ، وروسيا ، و أوكرانيا ، و غزة ، و إيران ، و الأوراسيا . و يصعب هنا الأخذ بكافة التفاصيل ، لذا ، اخترت محطات هامة من الكتاب تهمني ، و تهم القاريء الكريم ، و إليكم أهم ما جاء في الكتاب ،و تعليقاتي عليها .

يتساءل دوغين هنا عن متانة اليقين بشأن مرحلة الانتقال من أحادية القطب إلى تعددية الأقطاب . وهل بإلإمكان الجزم بأننا بالفعل في مرحلة عالم متعدد الأقطاب ، أم لازلنا في عالم أحادية القطب ؟ و يجيب بأنه لا يمكن تجاهل حضور أحادية القطب ، بينما يؤكد الفيلسوف الألماني مارتن هايدغر على ميتافيزيقية التحول في عصرنا . و يتطرق روبرت غيلين لأحادية القطب التي تحدد التعددية القطبية في أعمال هنتغتون . و بأن حضارة الدولة أدرجها الخبير الصيني ( مو ) ، و هو المصطلح الذي يستخدمه الرئيس فلاديمير بوتين ووزير خارجيته سيرجي لافروف ، وعلى أنه يعكس نظام متطور من القيم التقليدية ، و الهوية ، و الدولة العظمى . و في العالم اليوم حسب دوغين حضارات كبرى مثل ( الغرب ، و روسيا ، و الصين ، و الهند ) . و أخرى مثل الإسلامية ، و الأفريقية ، و الأمريكية اللاتينية .

وتعليقي هنا ، هو ، بأن احادية القطب التي ظهرت كتوجه بعد إنهيار الاتحاد السوفيتي عام 1991 ،و تغولت على أركان العالم ، لازالت حاضرة و لن تتلاشى مالم تندمج مع توجه تعددية الأقطاب الذي تقوده روسيا الاتحادية بالتعاون مع كبريات الدول العظمى الأخرى مثل الصين و الهند ، و شرق و جنوب العالم ، و بعد الانفتاح أكثر على الغرب . و الشرخ السياسي الحاصل الان بين الولايات المتحدة الأمريكية و الاتحاد الأوروبي بعد أكثر من ثلاث سنوات على اندلاع الحرب الأوكرانية شيوعا يؤشر على اقتراب الغرب من الشرق ، ومن نظرية تعددية الأقطاب الواجب أن تنتقل إلى واقع ، رغم إعاقة الأتحاد الأوروبي للمسار حاليا .

ويطرح دوغين في كتابه فكرة ( الأنفصال ) ، و التي هي نقيض للعولمة ، فبينما كلمة الانفصال تعني فتح الطريق أمام عالم متعدد الأقطاب الأيجابي ، عنت العولمة التمسك باحادية القطب السلبي ، وفي نهاية المطاف لا يصح إلا الصحيح ، و لن تقبل الأجيال القادمة المتتابعة العيش في الماضي ، بينما الحاضر يجذف تجاه المستقبل الواعد . ولن يبقى الغرب سيدا ، و لن يقبل الشرق و الجنوب في العالم بالعبودية . و ردا على العملية العسكرية الخاصة الروسية ، بدأ الغرب بفك الارتباط حيث يقول دوغين ، أضيف عليه شخصيا هنا ، و بدأ الغرب نفسه يتفكك و يماس الأنفصال بين المكونين الأمريكي و الاتحاد الأوروبي .

ويعتقد دوغين بأن القطب القادر على الأنخراط بالتعددية القطبية لن يكون قوميا بمثل ما يجب أن يكون نووي السلاح . و يتحدث عن القطب النووي الأمريكي ، و كذلك القطب النووي الأوروبي ، و عن قطب الصين النووي ، و القطب النووي الباكستاني ، و الإيراني الذي يقترب من النووي ، و قطب أفريقي ،و أخر أمريكي لاتيني مرشحان للقطبية النووية .ولا ننسى هنا الهند . ويعتقد دوغين بأن الخطر الأكبر الذي يواجه بلاده روسيا ليس الانتشار النووي بقدر ماهو صراع نووي محتمل مع الغرب . و المطلوب هو التوازن النووي بين القطبين العملاقين روسيا و الغرب . و خطاب الرئيس بوتين في فالداي عام 2024 جاء هاما بسبب دعوته لبناء نظام عالمي جديد . و دعوة بوتين لتعددية الأقطاب تعني احترام تنوع الثقافات و الحضارات .

و يشخص كتاب دوغين هذا شخصية جو بايدن ، الرئيس الأمريكي السابق صاحب مقولة ( حان الوقت لوضع الحرية فوق الديمقراطية ) ، بمعنى نعم للديتكتاتورية العالمية و لفرض السلطة بالقوة . و المثل على ذلك ابقاء زيلينسكي في السلطة بعد الغاء الأنتخابات . و تشكيل حكومة عالمية ، و الذهاب لحرب وسط العالم بلا نهاية .

وحديث في الكتاب عن مفهوم الدولة العميقة الذي ظهر في السياسة التركية في تسعينيات القرن الماضي العشرين . و اكتشف بعد ذلك ترامب الدولة العميقة في الولايات المتحدة الأمريكية . و هو المصطلح الذي ظهر في الغرب في الخطابات السياسية ، و دفع لتشكيل مجلس العلاقات الخارجية ، ولعب دورا مباشرا في تأسيس الاتحاد الأوروبي ، و خطوة ملموسة نحو الحكومة العالمية . و لعب هنري كيسينجر حسب المؤلف دورا رئيسا لدمج الصين في السوق المحلية و العالمية ،و الهدف روسيا .

وفي موقع أخر من يسلط الكتاب على ثورة ترامب ، وكيف كان بإمكان انتخابه ممكنا في ظل نفوذ الدولة العميقة ، و المقصود بها جهاز الدولة و النخبة ، الأيدولوجيا و الأقتصاد المترابطة . و بأنه لاتوجد أيدولوجيا للديمقراطيين و الجمهوريين . و على مستوى الجغرافيا ، فإن السياسة الترامبية لاحظ دوغين وسطها تصريحات لترامب لضم كندا بصفتها الولاية رقم 51 ، و شراء غرينلاند ، و السيطرة على قناة بنما ، و إعادة تسمية خليج تحت إسم أمريكي ، و لشراء غزة . وهو الأمر الذي يثبت لي أعلاه بأن ترامب ليس ثورة ولا ثائر ، و إنما رجل أعمال جشع لايرى من خلال عيونه غير الثراء الفاحش ، و السيطرة على أموال الغير ومنها التريليونات العربية ، و لا يرى العدالة على الأرض خاصة في شأن القضية الفلسطينية الواجب أن تبقى عادلة . وكل ذلك يجري تحت شعار أمريكا أولا ، و العسكرة الأمريكية الأقوى في العالم ؟!.

ويسلط دوغين الضوء على العملية العسكرية الخاصة الروسية ، ويصفها بأنها مقياس الأمور ، و بأن المطلوب استسلام نظام ( كييف ) النازي الكامل غير المشروط حسب تعبيره . و يؤكد بأنها هذه هي إرادة الشعب الروسي ،و الدولة الحضارية ، و الجيش . و يشير على أن أوكرانيا ، و يقصد غربها ، غير قادرة على المقاومة ، لكن روسيا كثيرا ما تنتصر في الحرب و تخسر السلام في المقابل . و بأنه لا بد من التغلب على الليبرالية لتحقيق خطوة حاسمة نحو النصر ، و نحو الفكرة الروسية .

وتعليقي هنا هو بأن روسيا نعم أثبتت بأنها القادرة على الأنتصار و انتصرت فعلا في حربها الدفاعية مع غرب أوكرانيا . و شخصيا لم أقرأ في كتاب دوغين مصطلح الحرب الدفاعية ، ومسألة القضاء على نظام أوكرانيا من وجهة نظري متعلقة بمدى رفع الاتحاد الأوروبي يده عن الحرب ، وعن دعم و اسناد نظام زيلينسكي المنتهية ولايته . و لا حديث عند دوغين عن الشرعية الواجب أن يحصل عليها نظام " كييف " ، و إنما عن ضرورة القضاء على النظام الأوكراني بمجمله . و لاحديث مباشر لدوغين في كتابه بأن روسيا لم تبدأ الحرب ، أو بأنها المنتصرة ، و سوف تنتصر في السلام ،و هو المهم .

و يكتب دوغين ، بأن تعيين أندريه بيلؤوسوف وزيرا للدفاع خطوة طال انتظارها لتنظيف الجيش . و تعليقي مجددا هنا نعم ، فلقد عمل أندريه وزيرا للأقتصاد و أثبت بأنه الرجل النظيف وفي المكان المناسب ، لكن سيرجي شايغو وزير الدفاع الروسي السابق لم يحاكم مثلا ، و أصبح مبعوثا خاصا للرئيس بوتين . و يكتب دوغين ، و هو الصحيح ، بأن الحكام القوميين لأوكرانيا الذين اختاروا الغرب الجماعي و العولميين رعاة لهم . هم مهندسو المأساة التي حلت بأوكرانيا . ثم يكتب دوغين بأن ترامب شن هذه الحرب المقدسة ضدنا ، و لازال عدونا . ويعلن ترامب بأنه يقاتل ضد النخبة العالمية . و المطلوب حسب دوغين تدمير الجماعة الأرهابية التي استولت على السلطة في أراضي العالم الروسي ، التي تسمى مؤقتا أوكرانيا ، أو نسقطها و نحاسبها ونقيم لها محكمة . و تعليقي هنا من جديد هو بأن ترامب هو وريث حرب شنها جو بايدن ، الرئيس الأمريكي السابق بالتعاون مع باريس جونسون رئيس وزراء بريطانيا من وسط انقلاب ( كييف) عام 2014 ،و هو الذي لم يرد في الكتاب أيضا .

ويختم دوغين كتابه هذا بالحديث عن هجوم حماس على إسرائيل عام 2023 ويصفه بالأرهابي دون وصف إسرائيل بصفة الأرهاب نفسها ،ومن دون توضيح لمعاناة الشعب الفلسطيني من الاحتلال . و الخطاب السياسي العالمي يتحدث بنفس اللهجة ،عندما يتحدث عن الارهاب و الارهاب المضاد ، لكن خطاب الدولة الروسية منصف للقضية الفلسطينية بالمقارنة مع خطاب الغرب . و يقول دوغين هنا بأن نتنياهو دمر غزة تدميرا كاملا ، متسببا في القضاء على عشرات الالاف من المدنيين ، وهو الأمر الذي لايعترف به نتنياهو ، و لا يعتبره حرب إبادة ، و يواصل جولاته المكوكية تجاه أمريكا – ترامب التي ساعدته بالسلاح الفتاك المطلوب ، للقضاء على الممكن من الفلسطينيين المناضلين و القابضين على الجمر ، أصحاب الأرض و القضية العادلة . و يختتم دوغين القول في كتابه بأن صورة إسرائيل ، وهي تهاجم خصومها الأقليميين ، ويقصد المقاومة العربية المسنودة من قبل إيران تبدو ملحمية حقا . وهنا و التعليق الأخير لي لا يوضح لنا دوغين كيف أصبحت صورة إسرائيل بعد عراكها مع صنوف المقاومة العربية ، و كيف أن المقاومة العربية لم تنتهي ، و بأنها لن تسلم سلاحها مادام المحتل الإسرائيلي ماكثا فوق تراب العرب . و بأن مشروع إسرائيل الكبرى يواجهه العرب بمشروع فلسطين الكبرى لامحالة .

مدار الساعة ـ