أخبار الأردن اقتصاديات دوليات وفيات برلمانيات أحزاب مجتمع وظائف للأردنيين أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات مقالات مختارة شهادة الموقف مناسبات جاهات واعراس مستثمرون جامعات خليجيات مغاربيات دين بنوك وشركات اخبار خفيفة ثقافة رياضة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

أبو زيد يكتب: إيرانُ وَمُعادَلَةُ الحَرْبِ وَالسَّلام: كَيْفَ يَنْظُرُ العَرَبُ إِلى صِراعِ الكِبار؟


زيد أبو زيد
أمين سر المكتب السياسي لحزب مسار

أبو زيد يكتب: إيرانُ وَمُعادَلَةُ الحَرْبِ وَالسَّلام: كَيْفَ يَنْظُرُ العَرَبُ إِلى صِراعِ الكِبار؟

زيد أبو زيد
زيد أبو زيد
أمين سر المكتب السياسي لحزب مسار
مدار الساعة ـ
المِنْطِقَةُ عَلَى صَفِيحٍ سَاخِنٍ… وَالعَقْلُ يَبْحَثُ عَنْ مَخْرَجٍ لَا عَنْ مُواجَهَةٍ

يَسأَلُ البَعْضُ: هَلْ أَنْتَ مَعَ النِّظامِ الإِيرانيِّ أَمْ ضِدَّهُ؟

وَالحَقِيقَةُ أَنَّ الإِجابَةَ لا تُقاسُ بِمِيزانِ الاصْطِفافِ السِّياسِيِّ أَوِ العَقَديِّ، بَلْ بِمِيزانِ المَصْلَحَةِ العُلْيا لِشُعُوبِ المِنْطِقَةِ. فَلَسْنا مَعَ سِياسَاتٍ تُؤَجِّجُ النِّزاعاتِ أَوْ تُصَدِّرُ الأَزَماتِ، وَلَكِنَّنا فِي الوَقْتِ نَفْسِهِ لَسْنا مَعَ شَنِّ حَرْبٍ جَدِيدَةٍ تُضافُ إِلى سِلْسِلَةِ الحُرُوبِ الَّتِي أَثْقَلَتْ كاهِلَ الشَّرْقِ الأَوْسَطِ وَاسْتَنْزَفَتْ مُقَدَّراتِهِ.

إِنَّ الصِّراعَ القائِمَ بَيْنَ إيران وَالغَرْبِ هُوَ، فِي جَوْهَرِهِ، صِراعُ مَصالِحَ وَنُفُوذٍ وَرُؤًى إِسْتِراتِيجِيَّةٍ، وَهُوَ صِراعٌ ثُنائِيٌّ لا يَنْبَغِي أَنْ يَتَحَوَّلَ إِلى حَرْبٍ تُخاضُ عَلَى أَرْضٍ عَرَبِيَّةٍ أَوْ بِكَلفةٍ عَرَبِيَّةٍ. فَالْعَرَبُ لَا يَبْحَثُونَ عَنْ مَعْرَكَةٍ جَدِيدَةٍ، بَلْ عَنْ اِسْتِقْرارٍ طَالَ انْتِظارُهُ.

تَوازُناتُ القُوى… وَلُعْبَةُ المَصالِحِ

لَقَدْ أَثْبَتَ التَّارِيخُ أَنَّ العَلاقَاتِ بَيْنَ القُوى الكُبْرَى، مِثْلَ الولايات المتحدة وَروسيا وَالصين، لَمْ تَكُنْ يَوْمًا عَلاقَاتٍ ثابِتَةً عَلى حالٍ واحِدٍ؛ فَهِيَ تَتَأَرْجَحُ بَيْنَ التَّنافُسِ وَالتَّفاهمِ، وَبَيْنَ التَّوَتُّرِ وَالتَّعاوُنِ، دُونَ أَنْ تَصِلَ—رَغْمَ حِدَّةِ الخِلافِ—إِلى حَرْبٍ مُباشِرَةٍ، لِأَنَّ كُلَّ طَرَفٍ يُدْرِكُ كُلْفَتَها وَخُطُورَةَ الاِنْزِلاقِ إِلَيْها.

وَقَدْ شَهِدَ العالَمُ فِي مَراحِلَ سابِقَةٍ تَعاوُنًا بَيْنَ هَذِهِ القُوى فِي مَلَفّاتٍ كُبْرَى، مِنَ الحُرُوبِ العالَمِيَّةِ إِلى مَكافَحَةِ الإِرْهابِ وَضَبْطِ التَّوازُنِ النَّوَوِيِّ، وَهُوَ ما يُؤَكِّدُ أَنَّ الخِلافَ السِّياسِيَّ لا يَعْنِي حَتْمِيَّةَ المُواجَهَةِ العَسْكَرِيَّةِ.

المِلَفُّ النَّوَوِيُّ… بَيْنَ الضُّغوطِ وَالرَّدْعِ

يُعَدُّ المِلَفُّ النَّوَوِيُّ الإِيرانيُّ أَحَدَ أَكْثَرِ مَحاوِرِ التَّوَتُّرِ تَعْقِيدًا، حَيْثُ تَتَداخَلُ فِيهِ الاِعْتِباراتُ الأَمْنِيَّةُ مَعَ الحِساباتِ السِّياسِيَّةِ وَالاِقْتِصادِيَّةِ. وَقَدْ شَهِدَتِ المِنْطِقَةُ تَصْعِيدًا خَطِيرًا عِنْدَ اسْتِهْدافِ مُنْشَآتٍ نَوَوِيَّةٍ إِيرَانِيَّةٍ، فِي رِسالَةِ قُوَّةٍ حَمَلَتْ فِي طَيّاتِها إِنْذارًا بِإِمْكانِ الاِنْزِلاقِ إِلى مُواجَهَةٍ أَوْسَعَ.

وَمَعَ ذَلِكَ، فَإِنَّ التَّعامُلَ الدَّوْلِيَّ مَعَ هَذا المِلَفِّ لَمْ يَخْلُ مِنِ اِزْدِواجِيَّةِ المَعاييرِ؛ فَبَعْضُ الدُّوَلِ يُسْمَحُ لَها بِامْتِلاكِ قُدُراتٍ نَوَوِيَّةٍ، فِي حِينِ تُواجَهُ بَرامِجُ دُوَلٍ أُخْرى بِالعُقُوباتِ وَالضُّغوطِ. وَفِي هَذا السِّياقِ يَبْرُزُ دَوْرُ الوكالة الدولية للطاقة الذرية كَجِهَةٍ رَقابِيَّةٍ يُفْتَرَضُ أَنْ تُحافِظَ عَلى مِعْيارٍ واحِدٍ يَضْمَنُ عَدَمَ الاِنْتِشارِ النَّوَوِيِّ دُونَ تَسْييسٍ أَوِ اِسْتِثْناءاتٍ.

أُوروبا وَسِياسَةُ البَحْثِ عَنِ التَّوازُن

أَمَّا الاتحاد الأوروبي فَقَدْ حاوَلَ—فِي مَراحِلَ مُتَعَدِّدَةٍ—أَنْ يَلْعَبَ دَوْرَ الوَسِيطِ الَّذِي يُوازِنُ بَيْنَ الضَّغْطِ وَالحِوارِ، مُدْرِكًا أَنَّ أَيَّ اِنْفِجارٍ عَسْكَرِيٍّ فِي المِنْطِقَةِ سَيَنْعَكِسُ مُباشَرَةً عَلى أَمْنِهِ وَاقْتِصادِهِ وَإِمْداداتِ الطَّاقَةِ لَدَيْهِ.

المَوْقِفُ العَرَبِيُّ: لَا لِلحَرْبِ… نَعَمْ لِلاِسْتِقْرار

إِنَّ المَوْقِفَ العَرَبِيَّ—فِي غالِبِيَّتِهِ—يَنْطَلِقُ مِنْ ثَوابِتَ واضِحَةٍ:

1. رَفْضُ أَنْ تَكُونَ المِنْطِقَةُ سَاحَةً لِتَصْفِيَةِ الحِساباتِ الدَّوْلِيَّةِ.

2. رَفْضُ سِياسَاتِ تَصْدِيرِ الثَّوْرَةِ أَوْ دَعْمِ المِيلِيشِياتِ الَّتِي تُغَذِّي الحُرُوبَ بِالوِكالَةِ.

3. التَّمَسُّكُ بِمَبْدَإِ سِيادَةِ الدُّوَلِ وَعَدَمِ التَّدَخُّلِ فِي شُؤُونِها.

4. تَفْضِيلُ الحُلولِ الدِّبْلُوماسِيَّةِ الَّتِي تَحْفَظُ الجَمِيعَ دُونَ أَنْ تَكُونَ عَلى حِسابِ الأَمْنِ العَرَبِيِّ.

فَالْعَرَبُ لَا يُريدُونَ اِصْطِفافًا جَدِيدًا فِي مِحاوِرِ الصِّراعِ، بَلْ يُريدُونَ بِيئَةً إِقْلِيمِيَّةً هادِئَةً تُوَجَّهُ فِيهَا الطَّاقاتُ نَحْوَ التَّنْمِيَةِ بَدَلًا مِنَ التَّسَلُّحِ، وَنَحْوَ الاِقْتِصادِ بَدَلًا مِنَ الحُرُوبِ.

بَيْنَ الحَرْبِ وَالسَّلام… أَيُّ طَرِيقٍ نَخْتار؟

إِنَّ التَّارِيخَ يُعَلِّمُنا أَنَّ الحُرُوبَ سَهْلَةُ الاِنْدِلاعِ، لَكِنَّها صَعْبَةُ النِّهايَةِ، وَأَنَّ أَيَّ صِراعٍ فِي هَذِهِ المِنْطِقَةِ لَنْ يَبْقَى مَحْدُودًا، بَلْ سَيَتَّسِعُ لِيُصِيبَ الجَمِيعَ بِتَداعِياتِهِ السِّياسِيَّةِ وَالاِقْتِصادِيَّةِ وَالأَمْنِيَّةِ.

وَمِنْ هُنا، فَإِنَّ الخِيارَ العاقِلَ لَيْسَ فِي تَأْجِيجِ الصِّراعِ، بَلْ فِي بِنَاءِ مَعادَلَةِ تَوازُنٍ قائِمَةٍ عَلى الحِوارِ، وَالاِعْتِرافِ بِالمَصالِحِ المُتَبادَلَةِ، وَتَجَنُّبِ كُلِّ ما مِنْ شَأْنِهِ دَفْعُ المِنْطِقَةِ نَحْوَ اِنْفِجارٍ جَدِيدٍ.

خاتِمَة

لَيْسَ مَطْلوبًا مِنَ العَرَبِ أَنْ يَكُونُوا جُزْءًا مِنْ صِراعٍ لا يَخُصُّهُمْ، بَلْ أَنْ يَكُونُوا صَوْتَ العَقْلِ فِيهِ. فَالاِسْتِقْرارُ الَّذِي تَحْتاجُهُ المِنْطِقَةُ هُوَ أَعْظَمُ مِنْ أَنْ يُضَحَّى بِهِ فِي مُغامَرَاتٍ جَيُوسِياسِيَّةٍ عابِرَةٍ.

وَسَيَبْقَى الأَمَلُ مَعْقودًا عَلى أَنْ تَنْتَصِرَ لُغَةُ الحِوارِ عَلى لُغَةِ المِدْفَعِ، وَأَنْ تَخْتارَ الشُّعُوبُ طَرِيقَ السَّلامِ الَّذِي يَصْنَعُ المُسْتَقْبَلَ، لَا طَرِيقَ الحُرُوبِ الَّذِي يُعِيدُ إِنْتاجَ المَآسِي.

مدار الساعة ـ