يُعد قانون المالكين والمستأجرين أحد أكثر التشريعات إثارةً للنقاش في المنظومة القانونية الأردنية، لما ينظمه من علاقة تمس شريحة واسعة من المواطنين والقطاعات الاقتصادية. وقد ظلّ التداخل بين أحكامه وأحكام القانون المدني محل نقاش قضائي وفقهي، لا سيما في المسائل المتعلقة بمدة عقد الإيجار وحدود سلطة المالك في طلب الإخلاء.
وبالرغم من ان محكمة التمييز قد أصدرت بهيئتها العامة قرارًا مفصليًا أنهى الجدل حول مدى جواز إقامة دعوى إخلاء أو منع معارضة إذا تجاوزت مدة عقد الإيجار ثلاثين سنة، واضعًا حدًا للتفسيرات المتباينة التي سادت خلال الفترة الماضية، الا أن الإشكالية ظهرت عند تطبيق هذه القاعدة على العقود الخاضعة لقانون المالكين والمستأجرين، خصوصًا تلك المبرمة قبل تاريخ 31/آب/2000، والتي تتمتع بما يُعرف بالامتداد القانوني.وتنص المادة (671) من القانون المدني على قاعدة عامة مؤداها عدم جواز الاتفاق على مدة إيجار تزيد على ثلاثين سنة، وإذا زادت تُردّ إلى هذه المدة، باعتبار أن عنصر الزمن ركنا جوهريا في العقود الزمنية.قرار الهيئة العامة حسم المسألة بتأكيده أن قانون المالكين والمستأجرين هو قانون خاص يقيّد أحكام القانون المدني بوصفه قانونًا عامًا، وأنه لا يجوز تطبيق القيد الزمني الوارد في المادة (671) مدني على العقود المشمولة بأحكام المادة الخامسة من قانون المالكين والمستأجرين.وبيّن القرار أن تطبيق الامتداد القانوني يشترط أمرين أساسيين:وجود عقد إيجار، وأن يكون هذا العقد مبرمًا قبل 31/آب /2000.وجعلت المادة الخامسة طلب الإخلاء محصورًا في أسباب محددة على سبيل الحصر، ما يعني أن المالك لا يملك إنهاء العقد لمجرد انقضاء مدته، طالما التزم المستأجر بدفع الأجرة وتنفيذ التزاماته التعاقدية.كما أقرّ القانون زيادات قانونية على الأجرة وفق معادلات محددة، واعتبرها جزءًا من الأجرة بحكم القانون، في محاولة لإحداث توازن بين حق المالك في العائد الاستثماري وحق المستأجر في الاستقرار القانوني.وأعاد القرار التأكيد على قاعدة أصولية مستقرة مفادها أن "الخاص يقيد العام"، وأنه لا يُصار إلى تطبيق أحكام القانون المدني إلا في حال عدم وجود نص خاص يحكم المسألة في قانون المالكين والمستأجرين.وبذلك، فإن عقود الإيجار المبرمة قبل 31/آب/2000 تستمر خاضعة لأحكام الامتداد القانوني دون التقيد بسقف الثلاثين عامًا المنصوص عليه في القانون المدني، ما دام المستأجر ملتزمًا بشروط العقد وأحكام القانون.يمثل القرار محطة مهمة في استقرار الاجتهاد القضائي، إذ يضع حدًا للتأويلات المتباينة بشأن مدة الإيجار، ويوجه محاكم الموضوع إلى ضرورة الالتزام بمعالجة أسباب الطعن بوضوح وتفصيل وفقًا لأحكام قانون أصول المحاكمات المدنية.وفي المحصلة، فإن الحكم الصادر عن الهيئة العامة لا يقتصر أثره على حسم نزاع قانوني محدد، بل يعيد رسم حدود العلاقة بين النص العام والنص الخاص في عقود الإيجار، ويؤكد أن الموازنة بين استقرار المعاملات وحماية الحقوق تظل مرهونة بحسن تفسير النصوص وتكاملها ضمن الإطار التشريعي القائم.قرار 'التمييز' يحسم ويؤكد أولوية القانون الخاص
مدار الساعة (الرأي) ـ