يشهد النظام الدولي تحولات متسارعة أعادت تشكيل مفاهيم القوة والتهديد والردع. فلم يعد الردع الاستراتيجي مقتصرًا على التوازنات العسكرية التقليدية، بل أصبح مفهومًا متعدد الأبعاد يتداخل فيه العسكري بالسياسي، والاقتصادي بالتكنولوجي، والمعلوماتي بالأمني. وفي بيئة إقليمية مضطربة كمنطقة الشرق الأوسط، تتضاعف أهمية بناء منظومة ردع مرنة وقادرة على التكيّف. وفي هذا السياق، يبرز توجيه جلالة الملك عبدالله الثاني بإعادة هيكلة القوات المسلحة الأردنية بوصفه خطوة استراتيجية لتعزيز قدرة الدولة على مواجهة التحديات المستجدة وترسيخ ألامن الوطني.
أولًا: مفهوم الردع الاستراتيجي وتطوره هو القدرة على منع الخصم من اتخاذ سلوك عدائي من خلال إقناعه بأن كلفة هذا السلوك تفوق أي مكاسب محتملة. تقليديًا، ارتبط الردع بالقوة العسكرية الصلبة، خاصة في ظل الحرب الباردة. غير أن التحولات الدولية الراهنة أدخلت أبعادًا جديدة، من أبرزها:الردع السيبراني وحماية البنى التحتية الرقمية.الردع الاقتصادي عبر أدوات العقوبات والضغوط المالية.الردع غير المتكافئ الذي يعتمد على المرونة العملياتية والجاهزية العالية بدلًا من التفوق العددي.وعليه، أصبح الردع منظومة شاملة تتطلب تحديثًا دائمًا في العقيدة العسكرية وأدوات القوة الوطنية.ثانيًا: المتغيرات في البيئة الإقليمية والدوليةتتسم البيئة الدولية الراهنة بعدة متغيرات مؤثرة، من أبرزها:تصاعد التنافس بين القوى الكبرى، وما يرافقه من إعادة تشكيل للتحالفات ومناطق النفوذ.التهديدات غير التقليدية مثل الإرهاب العابر للحدود، والجريمة المنظمة، والهجمات السيبرانية.الحروب الهجينة التي تمزج بين العمل العسكري التقليدي والعمليات الإعلامية والمعلوماتية.التحولات التكنولوجية في مجالات الطائرات المسيّرة، والذكاء الاصطناعي، وأنظمة الدفاع الجوي.أما على المستوى الإقليمي، فتشهد المنطقة صراعات ممتدة، وحالات عدم استقرار سياسي وأمني، وتنامي دور الفاعلين غير الدوليين، ما يفرض على الدول تبني استراتيجيات ردع مرنة وقابلة للتكيّف.ثالثًا: إعادة هيكلة القوات المسلحة الأردنية كمدخل لتعزيز الردعجاء توجيه جلالة الملك عبدالله الثاني بإعادة هيكلة القوات المسلحة الأردنية استجابةً واعية لهذه التحولات، وانطلاقًا من رؤية استراتيجية تركز على:تعزيز الجاهزية القتالية من خلال تطوير التدريب والتسليح.إعادة تنظيم الوحدات العسكرية بما يحقق كفاءة أعلى ومرونة عملياتية أسرع.الاستثمار في التكنولوجيا الحديثة خصوصًا في مجالات الدفاع الجوي، والطائرات دون طيار، والأمن السيبراني.ترشيد النفقات وتحسين الكفاءة المؤسسية بما يضمن استدامة القدرة الدفاعية.هذه الخطوات لا تعني تقليص الدور الدفاعي، بل إعادة صياغته بما يتلاءم مع طبيعة التهديدات الجديدة، بحيث يصبح الردع قائمًا على النوعية والسرعة والدقة بدلًا من الكم.رابعًا: العلاقة بين الردع الاستراتيجي والإصلاح العسكريإن إعادة الهيكلة تمثل ترجمة عملية لمفهوم الردع الحديث؛ فالردع الفاعل يتطلب:مصداقية القوة: أي امتلاك قدرات حقيقية قابلة للاستخدام.المرونة والتكيف: سرعة الاستجابة للمتغيرات المفاجئة.التكامل بين الأبعاد العسكرية والأمنية: بما يشمل التنسيق مع الأجهزة الأمنية والمؤسسات الوطنية.تعزيز الشراكات الدولية: للاستفادة من الخبرات ونقل التكنولوجيا.وبذلك، فإن تطوير بنية القوات المسلحة يسهم في رفع كلفة أي تهديد محتمل للأمن الوطني الأردني، ما يعزز مكانة الأردن كدولة مستقرة وقادرة على حماية مصالحها.في ظل التحولات المتسارعة في البيئة الإقليمية والدولية، لم يعد الردع الاستراتيجي خيارًا نظريًا، بل ضرورة وطنية لضمان الأمن والاستقرار. ويعكس توجيه جلالة الملك عبدالله الثاني بإعادة هيكلة القوات المسلحة الأردنية رؤية استباقية تهدف إلى بناء قوة عسكرية أكثر احترافية ومرونة، قادرة على التعامل مع التحديات التقليدية وغير التقليدية على حد سواء. ومن خلال هذا التحديث المؤسسي، يعزز الأردن قدرته على تحقيق الردع الفاعل، وترسيخ أمنه الوطني في بيئة دولية تتسم بالتعقيد وعدم اليقين.توجيهات القائد الاعلى باعادة الهيكلة وتحقيق الردع الاستراتيجي وحماية مراكز الثقل الاستراتيجي
العميد الركن (م) فواز الشاهين
توجيهات القائد الاعلى باعادة الهيكلة وتحقيق الردع الاستراتيجي وحماية مراكز الثقل الاستراتيجي
مدار الساعة ـ