في مشهدٍ تنموي معتاد، يطل علينا الإعلان عن إجراء دراسة جديدة لقياس «الفجوة الرقمية» بين شرائح المجتمع. دراسة شمولية، ممتدة على عامين، محملة بالاستراتيجيات والمؤشرات والتقارير، ومزينة بلغة أنيقة توحي بأننا على وشك التوجه لحل مشكلة كونية.. أو على الأقل توثيقها بدقة عالية جدا.
لا أحد عاقل يعترض على أهمية قياس الفجوة الرقمية. الفجوة موجودة، واضحة، ونعيشها يوميا. لكن الإشكال ليس في إطلاق الدراسة، بل في ترتيب الأولويات، وفي تلك القفزة البهلوانية التي نقفزها كل مرة فوق فجوات أكثر عمقا وألما، فقط لأنها أقل «حداثة» وأضعف جاذبية في العناوين.نحن نتوجه لنقيس سرعة الإنترنت في قرية ما تزال مدرستها تعاني نقص المعلمين. ندرس المهارات الرقمية لشباب لا يجدون عملا أصلا، ونبحث في جودة الخدمة الإلكترونية لمواطن لا يملك ثمن الخدمة ولا رفاهية التفكير بها. نقيس «الوصول والاستخدام»، بينما الوصول الحقيقي لفئة مجتمعية واسعة ما يزال مفقودا إلى التعليم الجيد، والعمل الكريم، والعلاج اللائق، والسكن الآمن.هناك فجوة تعليمية صارخة تستحق عشر دراسات قبل أي دراسة رقمية: بين مدرسة حكومية وأخرى خاصة، بين طالب يحفظ المنهاج وطالب يتعلم التفكير، بين من يتقن اللغة والتكنولوجيا ومن بالكاد يتقن أساسيات القراءة. وهناك فجوة فقر لا تحتاج مؤشرات أداء، بل تحتاج جولة في الأحياء المنسية، حيث يكون السؤال عن التحول الرقمي ترفا فكريا لا مكان له بين همّ الإيجار وارتفاع قيم فواتير الكهرباء والماء والمواصلات.ولا ننسى فجوة الفرص، تلك الفجوة الحساسة التي لا تقاس بسهولة لأنها لا تحب الأرقام. فجوة بين من «تفتح له الأبواب» في مجالس إدارة ووزارات وشركات حكومية وهو لا يتقن حتى التواصل البشري ومن يطلب منه دائما الانتظار وهو الأميز في الإدارة والاتصال والتواصل. بين من تصله الفرص جاهزة، ومن يقال له: طور نفسك أكثر، ثم أكثر، ثم انتظر أكثر. هذه فجوة أخطر من أي فجوة رقمية، لأنها تنتج الإحباط، لا فقط ضعف الاتصال.الدراسة تعدنا بعدّ المناطق، وعدّ الشرائح، وعدّ التوصيات، وربما عدّ الكلمات المفتاحية في التقرير النهائي. سنعرف كم منطقة شملنا، وكم فئة «أقل حظا» رصدنا، وكم توصية «قابلة للتنفيذ» كتبنا. لكن سؤال المليون: هل سنعد كم حياة تغيرت فعلا؟ أم أن الأثر الحقيقي سيبقى خارج الجداول؟الرسالة التي نحب أن نرددها هي: التحول الرقمي ضرورة. وهذا صحيح. لكن الحقيقة الأبسط – والأقل بريقا – هي أن التحول الإنساني أولا. فمن ملك بيتا آمنا، وعملا مستقرا، وتعليما جيدا، وعلاجا متاحا، لا تخافوا عليه رقميا. هذا الإنسان، حتى لو انقطع الإنترنت عنه يوما، سيعود أقوى، أذكى، وأكثر قدرة على التكيف.أما من حرم من الأساسيات، فلن تنقذه سرعة الإنترنت ولا عدد التطبيقات الحكومية. الدراسة مهمة، نعم. لكنها ليست أولوية قصوى في مجتمع ما زالت بعض أطرافه تعالج فجواته الأساسية بالمسكنات. فقبل أن نقيس الفجوة الرقمية، زوروا قرى وأحياء ما يزال فيها سكان سجلت أراضيهم كما هي حقوقهم انها «خارج التنظيم» فاستمرت بدون خدمات واستمروا بدون أساسيات الحياة، فهناك ربما يجدر بنا أن نردم فجوات الإنسان نفسه.سرعة الإنترنت لا تعالج بطء الفرص
مدار الساعة (الغد الأردنية) ـ