أخبار الأردن اقتصاديات دوليات برلمانيات وفيات أحزاب مجتمع وظائف للأردنيين تبليغات قضائية مقالات مقالات مختارة أسرار ومجالس الموقف مناسبات جاهات واعراس مستثمرون شهادة جامعات مغاربيات دين بنوك وشركات خليجيات اخبار خفيفة ثقافة رياضة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

اضطراب الشخصية الحدّية على حافة العاطفة والهوية

مدار الساعة,أخبار الصحة والأسرة
مدار الساعة ـ
حجم الخط

مدار الساعة - كتبت غيداء سالم القرالة -

يُعدّ اضطراب الشخصية الحدّية أحد أكثر اضطرابات الشخصية تعقيدًا وإثارة للجدل في الحقل النفسي، وهو مصنّف في الدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات النفسية الصادر عن Diagnostic and Statistical Manual of Mental Disorders. ويتميّز هذا الاضطراب بنمط دائم من عدم الاستقرار في المشاعر والعلاقات وصورة الذات، بحيث تصبح الهوية نفسها متصدعه ومتشضيه وساحة معركة ومجالًا للتقلّب والصراع. تاريخيًا، وُصف بـ"الحدّي" لأنه كان يُنظر إليه كحالة تقع على الحدّ الفاصل بين العصاب والذهان، في منطقة نفسية رمادية تتقاطع فيها الهشاشة الانفعالية مع اضطراب إدراك الذات.

أن تعيش بهذه البنية النفسية هو أن تسكن على شرفة مفتوحة على الريح، بلا سياج يحميك من اندفاع العاطفة. المشاعر لا تمرّ كنسيم عابر، بل تجتاح كعاصفة تترك خلفها ارتجاف الروح. الحبّ ليس دفئًا متدرجًا، بل احتراقًا كاملًا؛ والهجر ليس غيابًا بسيطًا، بل تصدّعًا في البنية الداخلية للذات. الشخص الحدّي لا يبالغ في إحساسه، بل يختبره في أقصى درجاته؛ يرى الآخر كاملًا حدّ المثالية، ثم يراه مهدِّدًا حدّ القسوة، ويتأرجح بين التعلّق الشديد والانسحاب الحاد، وكأن روحه معلّقة دائمًا على خطّ دقيق بين التمسك والانفلات.

من الناحية النظرية، قدّم المحلل النفسي Otto Kernberg تصورًا عميقًا لما أسماه "تنظيم الشخصية الحدّي"، مشيرًا إلى أن الفرد يعتمد آلية دفاع تُعرف بالانقسام (Splitting)، حيث يعجز عن دمج الصفات الإيجابية والسلبية في صورة واحدة متكاملة عن ذاته وعن الآخرين. هذا الانقسام يحوّل العلاقات إلى مسرح للتطرف العاطفي، ويترك الفرد عالقًا في فراغ داخلي يشبه فجوة لا يمتلئ صداها مهما تكاثرت الوجوه من حوله. أما الطبيب النفسي John G. Gunderson فقد ركّز على الخوف العميق من الهجر بوصفه السمة المركزية في هذا الاضطراب، معتبرًا أن كثيرًا من السلوكيات الاندفاعية أو نوبات الغضب ليست سوى محاولات يائسة لتجنّب الشعور بالرفض أو الفقدان.

في المقابل، طوّرت عالمة النفس Marsha M. Linehan العلاج السلوكي الجدلي (DBT)، الذي أثبت فعالية كبيرة في مساعدة الأفراد على تنظيم مشاعرهم وبناء مهارات تحمّل الضغوط. وترى لينهان أن هذا الاضطراب ينشأ من تفاعل معقّد بين حساسية بيولوجية مرتفعة تجاه الانفعال وبيئة غير داعمة أو مُبطِلة لمشاعر الطفل، حيث لا يتم الاعتراف بانفعالاته أو يُقلَّل من شأنها. ونتيجة لذلك، ينمو الفرد وهو يشعر بحدة المشاعر لكنه يفتقر إلى الأدوات النفسية الكفيلة باحتوائها.

أما في الأدب، فقد ظهرت شخصيات تحمل سمات حدّية دون أن يُطلق عليها هذا المصطلح صراحة. ففي أعمال Fyodor Dostoevsky، نجد تصويرًا مكثفًا لشخصيات مأزومة نفسيًا وأخلاقيًا، تعيش صراعًا داخليًا حادًا وتتأرجح بين النقاء والذنب، وبين التعلّق والانهيار. تكشف هذه النماذج أن الحدّية ليست مجرد تشخيص سريري، بل تجربة إنسانية تتجسّد في تمزّق الهوية وتقلّب الانتماء، كما لو أن الإنسان يعيش دائمًا بين صورتين لنفسه، عاجزًا عن التوفيق بينهما.

ولا ينشأ اضطراب الشخصية الحدّية من فراغ، بل من تداخل معقّد بين البيولوجيا والتجربة والذاكرة. فهناك عوامل بيولوجية تشير إلى حساسية عصبية مرتفعة تجعل الانفعالات أكثر حدّة واستجابة للمثيرات. كما تلعب صدمات الطفولة والإهمال أو الفقدان المبكر دورًا بالغ الأثر في تشكيل شعور مزمن بعدم الأمان. وتُضاف إلى ذلك بيئات أسرية تفتقر إلى الاحتواء العاطفي، حيث لا يجد الطفل اعترافًا بمشاعره أو دعمًا لتنظيمها، فينشأ بنمط ارتباط غير آمن ينعكس لاحقًا في علاقاته العاطفية والاجتماعية.

وتتفاوت شدة هذا الاضطراب بين الأفراد؛ فقد يقتصر في بعض الحالات على تقلبات مزاجية وصعوبات في العلاقات، بينما قد يصل في حالات أخرى إلى سلوكيات مؤذية للذات أو نوبات تفكك مؤقت تحت ضغط شديد. ومع ذلك، فإن التشخيص الدقيق يتطلب تقييمًا مهنيًا من مختصين مؤهلين، إذ لا يكفي وجود بعض السمات للحكم بوجود الاضطراب.

في النهاية، لا ينبغي النظر إلى اضطراب الشخصية الحدّية بوصفه وصمة أو ضعفًا أخلاقيًا، بل باعتباره شكلًا من أشكال المعاناة النفسية العميقة، حيث تصبح المشاعر أكبر من القدرة على تنظيمها. غير أن داخل هذه الحساسية المفرطة يكمن أيضًا عمق نادر في الإحساس، وقدرة استثنائية على الحب والصدق العاطفي. ومع العلاج المناسب والدعم المستمر، يمكن للفرد أن يتعلّم كيف يوازن خطواته فوق هذا الخطّ الدقيق، فيحوّل الحافة من مكانٍ للخطر إلى مساحةٍ للوعي والنضج. فالحدّ لا يكون دائمًا نقطة سقوط؛ أحيانًا يكون بداية إعادة تعريف الذات، واكتشاف اتساقٍ أعمق مع النفس والعالم.


مدار الساعة ـ