أخبار الأردن اقتصاديات دوليات وفيات برلمانيات أحزاب مجتمع وظائف للأردنيين أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات مقالات مختارة شهادة الموقف مناسبات جاهات واعراس مستثمرون جامعات خليجيات مغاربيات دين بنوك وشركات اخبار خفيفة ثقافة رياضة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

الكردي تكتب: عصر اللامعقول.. حين يسبق الواقع قدرتنا على الفهم


جوان الكردي

الكردي تكتب: عصر اللامعقول.. حين يسبق الواقع قدرتنا على الفهم

مدار الساعة ـ

لم يعد السؤال: ماذا يحدث؟

بل: هل ما يحدث طبيعي؟

نستيقظ كل يوم على مشاهد تتجاوز المنطق. قرارات كبرى تتخذ بين ليلة وضحاها، تحولات سياسية بلا مقدمات، أزمات اقتصادية تتكرر وكأنها قدر محتوم، وحروب إعلامية تدار على الشاشات أسرع من قدرة الناس على الاستيعاب.

الزمن لم يعد يسير بل يندفع. والإنسان، مهما حاول اللحاق، يشعر أنه دائما متأخر خطوة.. وربما خطوات.

التكنولوجيا، التي قيل إنها ستخدم الإنسان، أصبحت تعيد تشكيله. الذكاء الاصطناعي يكتب بدلا عنا، يتكلم بصوتنا، يصنع صوراً لم تحدث، يخلق وقائع يصعب دحضها. لم تعد الحقيقة مسألة بحث، بل مسألة برمجة.

فمن يملك الخوارزمية، يملك السردية.

في هذا المشهد المتسارع، تختلط الحدود، بين الواقعي والمصطنع، بين الحرية والفوضى، بين الرأي والتحريض، بين الخبر وصناعته.

الأخطر من كل ذلك، أننا بدأنا نعتاد؛ نسمع ما كان يثير الصدمة فلا نهتز. نرى ما كان يستدعي المساءلة فنمر عليه سريعا.

وكأننا دخلنا حالة من "التطبيع مع اللامعقول".

الدنيا تغيّرت! نعم.

لكن هل التغيير يعني أن نتخلى عن المعايير؟

هل يعني أن يصبح التضليل ذكاءً، والسرعة كفاءةً، والانفعال رأياً عاماً؟

نعيش اليوم ما يمكن تسميته بـ "دوامة الاحداث المتلاحقه"؛ مساحة واسعة من الأحداث المتلاحقة والمتتابعة التي تبدو أكبر من قدرة الفرد على الفهم أو التأثير. الجميع يشعر أن شيئاً غير متوازن، لكن القليل يملك الوقت للتوقف والتفكير.

ليست المشكلة في التطور.. المشكلة في غياب البوصلة.

عندما تتقدم الأدوات بنحوٍ أسرع من القيم، وعندما تتسع الإمكانات أكثر من الضوابط، يصبح اللامعقول احتمالاً يوميا. وهنا لا يكون الخطر في الحدث ذاته، بل في فقدان الحساسية حياله.

ربما نحن أمام مرحلة انتقالية كبرى في تاريخ البشرية.

لكن كل انتقال بلا وعي، يتحول إلى فوضى.. وكل فوضى بلا مساءلة، تتحول إلى واقع دائم.

اللا معقول ليس قدراً.. بل نتيجة.

والسؤال الذي يجب أن نطرحه اليوم، قبل غد:

هل نحن شهود على عصر جديد؟ أم ضحايا لسرعة لم نتعلم بعد كيف نضبط إيقاعها ونتكيف معه؟

قد يقول بعضهم إن أيام زمان كانت أجمل.. لكن الحقيقة أننا لسنا نشتاق إلى الماضي بقدر ما نشتاق إلى قدرتنا القديمة على الفهم.

نشتاق لزمنٍ كان الإيقاع فيه أبطأ، والصورة أوضح، والمعنى أقل التباساً.

لسنا نطلب العودة إلى الوراء.. بل نبحث عن بوصلة تحفظ للإنسان إنسانيته وسط هذا الاندفاع.

مدار الساعة ـ