أخبار الأردن اقتصاديات دوليات وفيات برلمانيات وظائف للأردنيين أحزاب مجتمع أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات مقالات مختارة جاهات واعراس مستثمرون شهادة الموقف مناسبات جامعات بنوك وشركات خليجيات مغاربيات دين اخبار خفيفة ثقافة رياضة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

هل ما زالت المحاماة مهنة مستقبل في الأردن؟

مدار الساعة,أخبار الأردن,اخبار الاردن,مناسبات أردنية
مدار الساعة ـ
حجم الخط

مدار الساعة - كتبتأسيل عمر جبر -

لم تعد مهنة المحاماة في الأردن كما كانت تُصوَّر في الوعي الجمعي بوصفها مهنة الهيبة والاستقرار المادي والمهني. فخلف الصورة التقليدية للمحامي، يقف اليوم واقع قاسٍ يعيشه آلاف المحامين، خاصة الشباب منهم، واقع يتسم بالبطالة المقنّعة، وضعف الفرص، وغياب الأمان المهني. إن الحديث عن مهنة المحاماة اليوم لم يعد ترفًا، بل ضرورة لفتح نقاش جريء وصريح حول أزمة حقيقية تتفاقم بصمت.

تضخم الأعداد مقابل شُحّ الفرص

أكبر إشكالية تواجه مهنة المحاماة في الأردن هي الخلل الواضح بين عدد المحامين وحجم سوق العمل. فجامعات تخرّج سنويًا آلاف الطلبة من كليات الحقوق، دون أي تخطيط وطني يراعي حاجة السوق أو قدرة النقابة على استيعابهم. والنتيجة: أعداد متزايدة من المحامين الباحثين عن فرصة عمل، مقابل عدد محدود من المكاتب القادرة فعليًا على التشغيل.

هذا التضخم حوّل المهنة من رسالة إلى سباق بقاء، حيث يُجبر كثير من المحامين الجدد على القبول بشروط مجحفة، أو العمل دون أجر حقيقي، فقط من أجل اكتساب الخبرة أو الحفاظ على صفة "محامٍ مزاول".

معاناة المحامي في البحث عن عمل

البحث عن عمل في مجال المحاماة بات رحلة شاقة ومحبِطة. فالمحامي المتدرّب أو حديث المزاولة يصطدم بواقع يتمثل في:

مكاتب تطلب خبرة مسبقة دون أن توفّر تدريبًا فعليًا.

أجور متدنية لا تتناسب مع الجهد أو سنوات الدراسة.

غياب عقود عمل واضحة تحفظ الحقوق.

تحميل المحامي الشاب أعباء مالية كرسوم النقابة دون دخل ثابت.

وفي كثير من الحالات، يجد المحامي نفسه عاطلًا عن العمل فعليًا، لكنه غير مُسجَّل كعاطل، ما يحرمه من أي دعم أو اعتراف رسمي بمعاناته.

الفجوة بين التعليم والواقع

لا يمكن تجاهل مسؤولية التعليم القانوني في تفاقم الأزمة. فالدراسة الجامعية تظل في معظمها نظرية، بعيدة عن المهارات التي يحتاجها سوق العمل، مثل الصياغة القانونية العملية، إدارة الملفات، والتعامل مع الموكلين. وعندما ينتقل الخريج إلى سوق العمل، يُترك لمصيره، ليكتشف أن ما تعلمه لا يكفي لبناء مسار مهني مستقر.

دور النقابة… بين الواقع والمأمول

رغم الدور التاريخي لنقابة المحامين الأردنيين في الدفاع عن المهنة، إلا أن شريحة واسعة من المحامين ترى أن دور النقابة في ملف التشغيل وحماية المحامي الشاب ما زال دون المستوى المطلوب. فالمطلوب اليوم ليس فقط تنظيم المزاولة، بل التدخل الجاد في:

ضبط أعداد المنتسبين بما يتناسب مع حاجة السوق.

فرض حد أدنى عادل للأجور.

مراقبة مكاتب المحاماة فيما يتعلق بالتدريب والتشغيل.

توفير برامج تشغيل أو دعم حقيقية للمحامين الجدد.

إلى أين تتجه المهنة؟

إذا استمر التعامل مع أزمة المحاماة بمنطق التجاهل أو الحلول الشكلية، فإن المهنة مهددة بفقدان قيمتها الاجتماعية والمهنية. فمحامٍ مثقل بالهمّ المعيشي، فاقد للاستقرار، لا يمكن أن يؤدي رسالته على الوجه المطلوب.

إن إنقاذ مهنة المحاماة في الأردن يبدأ بالاعتراف الصريح بالمشكلة، وفتح حوار وطني تشارك فيه النقابة، والجامعات، والسلطات المختصة، لوضع حلول جذرية تحفظ كرامة المحامي وتعيد للمهنة مكانتها.

المحاماة ليست حِكرًا على القادرين ماديًا على الصمود سنوات بلا دخل، وليست مهنة لمن يملك الواسطة فقط. هي حق لكل من اختار هذا الطريق عن قناعة. لكن استمرار الصعوبات الحالية، خاصة في البحث عن عمل، يفرض إعادة نظر شاملة، قبل أن تتحول المهنة من ركيزة عدالة إلى عبء على منتسبيها.

أسيل عمر جبر: محامية مزاولة وباحثة في الشأن القانوني


مدار الساعة ـ