لا أكتب هذا الكلام تزلفًا، ولا أستزيد به رصيد مديح؛ فالتعليم أرفع من أن يُجامل، ووزارة التربية والتعليم أخطر من أن تُدار بالثناء المجاني. وقد كتبتُ قبل أعوام عن مشكلات التعليم حين سلّط عليها جلالة الملك الضوء، ودعا بوضوح إلى ضرورة الإصلاح.
غير أن الإنصاف ـ وهو من شيم العقل قبل أن يكون من شيم الأخلاق ـ يقتضي أن نقول إن الدكتور عزمي محافظة، وبعد رسالة الملك، تولّى هذا الملف بعقل رجل دولة، وبضمير أكاديمي يدرك أن الإصلاح الحقيقي لا يُقاس بسرعة القرار، بل بعمقه واتساقه.إن التعليم ليس قطاعًا إداريًا فحسب، بل ركيزة أساسية للاستقرار، والتنمية المستدامة، وبناء السلم المجتمعي. ومن هذا المنطلق، جاءت مقاربة وزارة التربية والتعليم في عهد الدكتور عزمي محافظة متسقة، في جوهرها، مع ما ورد في الأوراق النقاشية الملكية، التي أكدت بوضوح أن بناء الدولة الحديثة يبدأ ببناء الإنسان، وأن التعليم المطلوب هو ذاك الذي يُحرّر العقل من التلقين، وينمّي التفكير النقدي، ويُعدّ المواطن للحياة والعمل، لا للاختبارات وحدها.ولم يكن الرجل يكتفي بترديد هذه الرؤية في الخطاب، بل سعى إلى إدخالها في صلب السياسات التعليمية، مدركًا حساسية التغيير في قطاع يمسّ كل أسرة وكل طالب، ومتقبّلًا كلفة الإصلاح، حتى حين لا يكون الأكثر شعبية على المدى القصير.ويُحسب له، بحق، أنه تعامل مع الملفات الشائكة، وعلى رأسها امتحان الثانوية العامة، الذي اعتدنا التعامل معه بوصفه قدرًا لا يُناقش. اقترب منه لا ليهدمه، بل ليعيد النظر في فلسفة التقييم ذاتها، مدفوعًا بإدراك عميق بأن اختزال التعليم في امتحان واحد ظلمٌ للعقل، واستنزافٌ للنفس، وتشويهٌ لمعنى العدالة التعليمية. وقد كان شجاعًا حين قال ما لم يعتد الناس سماعه، وأكثر شجاعة حين تحمّل كلفة هذا القول.وفي المناهج، لم يكن همه كثرة الصفحات أو تبديل العناوين، بل إعادة الاعتبار للتفكير، والمهارة، والمعنى. وكان واعيًا بأن الخلل ليس في قلة المعرفة، بل في طريقة إنتاجها وتوظيفها، وأن المدرسة إذا لم تُخرّج عقلًا قادرًا على الفهم والعمل، فلن تُنقذه كثرة الشهادات. وفي هذا الإطار، جاء التركيز على المعلم بوصفه حجر الأساس في أي إصلاح حقيقي؛ إذ لا يمكن لأي نظام تعليمي أن ينجح دون تمكين المعلمين ودعمهم مهنيًا ومعرفيًا.أما التعليم المهني والتقني، فقد أنصفه فكريًا حين تعامل معه بوصفه خيارًا استراتيجيًا للتنمية الاقتصادية والاجتماعية، لا مسارًا هامشيًا. وقد انسجم هذا التوجه مع تأكيدات جلالة الملك المتكررة على ضرورة رفع مكانته، وربطه بسوق العمل الحقيقي، وتغيير النظرة المجتمعية الدونية له. وأدرك الوزير أن دولة تعاني البطالة لا يجوز لها أن تزدري العمل المهني، ولا أن تحاصر أبناءها بمسار واحد مهما بدا مُشرّفًا.ولئن قيل إن الدكتور عزمي محافظة لم يكن وزيرًا شعبويًا، فإن ذلك ـ في ميزان العقل ـ منقبة لا مثلبة؛ فقد اختار أن يُخاطب المستقبل أكثر مما يُرضي الحاضر، وأن يقدّم الفكرة والمعنى بكل موضوعية وصدق.إن تجربة وزارة التربية والتعليم في عهد الدكتور عزمي محافظة لا يمكن اختزالها في قرار واحد، ولا الحكم عليها بمنطق النتائج السريعة؛ فهي تجربة إصلاحية حاولت أن تعيد للتعليم معناه بوصفه مشروع دولة، لا مجرد منظومة إدارية. قد تختلف الآراء حول بعض التفاصيل، وقد تتباين التقديرات حول وتيرة التغيير وحدوده، لكن الثابت أن البوصلة لم تكن مضللة، وأن المقصد كان وطنيًا، منسجمًا مع الرؤية الملكية التي ترى في التعليم أساس بناء الإنسان، وفي الإنسان ركيزة كل تنمية واستقرار.وذلك، في شؤون التعليم، إنجاز لا يُقاس بما أُنجز وحده، بل بما أُسِّس له؛ إنجاز قد لا يُرى أثره سريعًا، لكنه ـ إن صبرنا عليه ـ يصنع الفرق، ويُغيّر الأجيال.مساعدة يكتب: التعليم والإصلاح.. قراءة في تجربة وزارة التربية والتعليم
مدار الساعة ـ