مدار الساعة-البحث عن الصديق ليس رحلة عابرة في طرق الحياة، ولا اختيارا سريعا تمليه الألفة المؤقتة، أو العِشرة الطارئة، بل هو من أعمق قضايا الإنسان وأخطرها أثرًا في دينه، ودنياه، وفي تكوين شخصيته، وصياغة مصيره. فالإنسان ــ كما قيل قديمًا ــ ابنُ بيئته، وصنيعُ صحبته، ومجموعُ ما يتسرب إلى نفسه من كلماتٍ، ومواقف، وعادات، ممن يلازمهم ويخالطهم.
ولو أن المرء جلس مع نفسه جلسة صدق، وأخذ قلمًا وورقًا، ودوَّن أسماء من يسمّيهم أصدقاءه، ثم أعمل فيهم نظر التمحيص، لانكشف له أن أكثرهم ليسوا أصدقاء على الحقيقة: كما يقول الشيخ علي الطنطاوي، وإنما هم رفقاء طريق، أو زملاء عمل، أو شركاء وقت، جمعتهم بك ظروف الحياة لا رابطة الاختيار الواعي.فالرفيق الذي تلتقيه في المواصلات، أو في العمل، أو في السفر، قد تطول بينك، وبينه التحية، ويسترسل الحديث، وتتشابه العبارات، والابتسامات، حتى تظن أن بينكما صداقة، وما بينكما إلا ألفة العادة، ومجاملة اللقاء المتكرر.وهؤلاء الرفقاء ــ على اختلاف صورهم ــ لا يُذمّون لذواتهم، ولكن الخطر كل الخطر أن يُخلَط بينهم، وبين الصديق الحقيقي، فالرفيق قد يشاركك الضحك، والحديث، وربما الطعام والمبيت، لكنه قد لا يشاركك القيم، ولا يحمل همّك، ولا يدلّك على خير، ولا يصرفك عن شر.والحياة، بما تفرضه من مخالطة الناس، تُلقِي بهؤلاء في طريق الإنسان إلقاءً، من غير اختيار، ولا انتقاء، فإن لم يُصنّفهم، ولم يعرف لكل واحد منزلته، ساقوه من حيث لا يشعر إلى ما لا يُحمد عقباه؛ إذ الصاحب ساحب، وكل قرين بالمقارن يقتدي.وكم من أناس كانوا مستقيمين، أفسدتهم صحبة سوء، وكم من منحرفين أعادتهم صحبة صالحة إلى الطريق القويم.ومن هنا كانت الصداقة مسؤولية، لا متعة عابرة فحسب، وامتحانًا أخلاقيًا لا يقل خطرًا عن اختيار الطريق نفسه؛ فليس الصديق من يملأ وقتك ضحكًا، ويزيّن لك اللذة العاجلة، وإنما الصديق من يذكّرك بالله إذا نسيت، ويأخذ بيدك إلى الخير إذا ضعفت، ويمنعك من السقوط إذا زللت.أولم يقل ربنا في القرآن الكريم: {وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ}(الكهف 28)، أما قرأت في الذكر الحكيم: {وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَاناً خَلِيلاً }(الفرقان 27-28)، إذن فلتحذر الصديق الذي يسوقك إلى العبث والفجور، ولتستبدله بمن يقودك إلى الطاعة، والعبادة، ويترفع بك عن السفاسف، ويفتح لك أبواب العلم والفكر.وحين يُعمل المرء ميزان العقل، يرى أن الناس في باب الصحبة ليسوا سواء: فمنهم من تظهر عليه سمات الصلاح والتقوى، لكنه يجعلها سلّمًا للدنيا، وشبكة للمال، فإذا عاهد خان، وإذا عامل غشّ، ومنهم من هو صادق المعاملة أمين اليد، لكنه خفيف الدين، يضعف فيك الإيمان، وإن قوى فيك جانب المنفعة، ومنهم من هو طاهر السلوك، لكنه بارد الهمة، لا ينفع ولا يُعين، ومنهم من يخدمك ويقضي لك حاجتك، لكنه يفتح لك أبواب الحرام باسم الصداقة، فيكون أخطرهم أثرًا وأشدهم هلاكًا، فليكن بحثك عن صديق آخر يكون صادق الإيمان، متوقد الذكاء، غيثاً أينما حل نفع.إن أخاك الحق من كان معك ومن يضر نفسه لينفعكومن إذا ريب الزمان صدعك شتت فيك شمله ليجمعكأقسام الأصحابوقد لخّص الحكماء حال الأصحاب أبلغ تلخيص، فقسموهم إلى خمسة: صاحبٍ كالهواء لا يُستغنى عنه، وصديقٍ كالغذاء لا حياة بدونه، وإن شقّ أحيانًا، وصاحبٍ كالدواء تُحتمل مرارته للحاجة، وصاحبٍ كالصهباء يبهج ساعة، ويهلك عمرًا، وصاحبٍ كالبلاء لا نفع فيه ولا متعة.وهذه القسمة ليست ترفًا فكريًا، بل ميزان حياة، تُعرف به مواقع الناس من القلب والعقل، وحدود القرب والبعد.وصاحب تقياً عالماً تنتفع به فصحبة أهل الخير ترجى وتطلبوإياك والفُسّاد لا تصحبنّهم فصحبتهم تعدي وذاك مُجَربُواحذر مؤاخاة الدنيء فإنه يعدي كما يعدي الصحيحَ الأجربُواختر صديقك واصطفيه تفاخراً إنَّ القرين الى المُقَارَن يُنسبُوالخلاصة أن البحث عن الصديق بحث عن النفس ذاتها؛ فمن جعل الدين مقياسه، ورضا الله ميزانه، سلم في اختياره، ونجا في صحبته، فمن نفعك في دينك فتمسّك به، ومن أضرّك فاجتنبه، إلا أن تضطرك إليه ضرورة، فتُقدّر الضرورة بقدرها، ولا تتجاوز بها حدّها، وأما من لا يضر ولا ينفع، فليكن في دائرة ضيقة، لا تشغلك عن واجب، ولا تقودك إلى عبث أو إثم.فالصديق الحق ليس زينة مجالس، ولا رفيق ساعات، بل هو شريك طريق، ومرآة ضمير، وعون على الثبات، ومن وفّقه الله إلى صديق كهذا، فقد أُعطي من الخير حظًا عظيمًا.وقد أُثِر عمر بن الخطاب رضى الله عنه : "لولا إخوة يتخيرون أطايب الكلام، كما يتخيرون أطايب الثمر؛ لما أحببت البقاء في الدنيا".وكان من حكمة الشافعي: "لولا صحبة الأخيار، ومناجاة الحق تعالى بالأسحار؛ ما أحببت البقاء في هذه الدار".بين الصديق الحقيقي ورفيق الطريق.. موازين وضوابط
مدار الساعة ـ











