أخبار الأردن اقتصاديات دوليات برلمانيات وفيات مجتمع وظائف للأردنيين أحزاب أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات مقالات مختارة جاهات واعراس مستثمرون شهادة الموقف مناسبات جامعات بنوك وشركات خليجيات مغاربيات دين اخبار خفيفة ثقافة رياضة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

المحيسن تكتب: الطفيلة.. سردية الأرض والإنسان


الدكتورة بتول المحيسن

المحيسن تكتب: الطفيلة.. سردية الأرض والإنسان

مدار الساعة ـ

الحياة اليومية في الطفيلة تمضي بهدوء جميل يشبه ايقاع الجبال من حولها، صباحات بسيطة، اسواق تعج بالوجوه المألوفة، جلسات قهوة تتحول الى مجالس حكاية، وتفاصيل صغيرة تصنع شعورا كبيرا بالانتماء.

الطفيلة ليست مجرد محافظة في جنوب الاردن، وليست اسما يمر عابرا في كتب الجغرافيا، الطفيلة سردية وطن تتشكل من الحجر والريح والذاكرة، ومن انسان تعلم ان يكتب حياته بالصبر والكبرياء والحب والانتماء والولاء لتراب الوطن، هناك، حيث تتعانق الجبال مع السماء وتتشابك الاودية مع الحكايات، تولد قصة مختلفة تماما عن باقي القصص، قصة مكان يعرف كيف يحفظ تاريخه في ملامح مواطنيه ومحبيه، وفي صمت صخوره وفي امتداد أفقه المفتوح على الاحتمالات.

منذ اللحظة الاولى التي تطأ فيها قدمك ارض الطفيلة، تشعر أنك تدخل نصا مفتوحا، لا يكتفي بان يكون مكانا، بل يصر ان يكون معنى. الجبال هنا لا تقف كديكور طبيعي، بل كحراس لذاكرة طويلة، والوديان لا تنحدر فقط بالماء، بل بالقصص التي عبرتها قوافل وامم وناس تركوا أثرهم في تضاريس الروح قبل تضاريس الارض، والطبيعة في الطفيلة ليست محايدة، انها شريكة في صناعة السرد، تشارك الانسان تعبه وفرحه وانتظاره، وتمنحه في كل ربيع وعدا جديدا بالحياة.

التاريخ في الطفيلة لا يسكن المتاحف وحدها ولا يختبئ في الكتب القديمة، بل يمشي في الشوارع ويطل من شرفات البيوت ويستقر في الذاكرة الجمعية. كل حجر هنا يحمل صدى زمن بعيد، وكل مرتفع يشبه منصة مراقبة على قرون من التحولات. من العصور القديمة حتى محطات الدولة الحديثة، ظلت الطفيلة شاهدا على تعاقب الايام، وعلى قدرة المكان على ان يعيد انتاج نفسه دون ان يفقد روحه. ليست القلاع والاثار مجرد شواهد صامتة، بل هي فصول في رواية طويلة عنوانها الصمود والاستمرار.

اما الانسان في الطفيلة فهو جوهر هذه السردية وركيزتها الاساسية. انسان بسيط في مظهره، عميق في جوهره، يعرف قيمة الارض ويعرف معنى الانتماء. الكرم هنا ليس عادة اجتماعية فحسب، بل لغة حياة، والضيافة ليست طقسا عابرا، بل تعبير صادق عن علاقة الناس ببعضهم وبالعابرين من دروبهم. في البيوت الطفيلة تشعر أنك تدخل ذاكرة مفتوحة، وان القهوة ليست مشروبا، بل اعلان مودة، وان الحديث اليومي امتداد لحكاية أكبر من تفاصيلها الصغيرة.

المرأة في الطفيلة ليست على هامش الحكاية، بل في قلبها، وهي التي حفظت التقاليد، وشاركت في بناء اليومي، وصاغت مع الرجل يدا بيد صورة المجتمع الذي يعرف كيف يتوازن بين الاصالة والتغير. والشباب هناك لا يقفون عند حدود الماضي، بل يحاولون ان يكتبوا فصولا جديدة بلغة العصر، دون ان يقطعوا الخيط الذي يربطهم بالجذور. في التعليم والعمل والثقافة والعمل العام، تتشكل ملامح سردية جديدة تضاف الى الكتاب القديم ولا تلغيه.

ولا تكتمل هذه السردية دون الالتفات الى دور الاجيال، فالمكان لا يعيش بالماضي وحده ولا يكتفي بالحاضر، بل يستمر بما يتعلمه الابناء من آبائهم وما يضيفونه من وعيهم وتجربتهم. في الطفيلة، لا تنتقل الحكايات بوصفها ذكريات جامدة، بل كدروس في الصبر والعمل ومعرفة شؤون الحياة، كيف يواجه الانسان ايامه، وكيف يصنع من البساطة معنى، ومن التحدي فرصة. معرفة الاجيال بتاريخ مكانهم وبقيمه وبطبيعة الحياة فيه ليست ترفا ثقافيا، بل شرط لبقاء الهوية حية وقادرة على التجدد. هكذا يتعلم الصغار ان الارض ليست مجرد مساحة، وان الحياة ليست مجرد يوم يمضي، بل مسؤولية وامانة ورواية عليهم ان يواصلوا كتابتها بوعي ومحبة وانتماء.

الثقافة في الطفيلة اسلوب حياة في الاغنية الشعبية، وفي الحكاية المتوارثة، وفي الامثال التي تختصر خبرة اجيال، وفي الحرف اليدوية التي تحمل روح الصانع قبل شكل المنتج، تتجلى ذاكرة المكان ككيان حي، نعم هنا، التراث ليس شيئا معلقا على الجدران، انه ممارسة يومية ووعي متجدد بالهوية والمعنى بلا حدود.

هذا التواضع في العيش لا يعني فقرا في الروح، بل على العكس، هو تعبير عن غنى داخلي يعرف كيف يكتفي بالقليل ويصنع منه حياة كاملة.

ومع كل هذا الجمال والعمق، لا تقف الطفيلة خارج اسئلة الحاضر وتحدياته. التنمية وفرص العمل وحماية البيئة والحفاظ على التراث قضايا حاضرة في الوعي العام، لكن ما يميز هذا المكان هو انه لا يتعامل مع المستقبل بخوف، بل بإرادة تبحث عن حلول، وبثقة نابعة من تاريخ طويل من القدرة على التكيف والاستمرار.

هكذا تبدو الطفيلة في السردية الاردنية، فصل اساسي من كتاب الوطن، صفحة كتبت بالحجر والعرق والذاكرة، وما زالت تكتب كل يوم بأنفاس ناسها وبخطى العابرين في دروبها. هي مكان يتقاطع فيه الماضي مع الحاضر، وتتشكل فيه هوية تعرف كيف تكون وفية لجذورها ومفتوحة على أفقها في آن واحد.

مدار الساعة ـ