أخبار الأردن اقتصاديات دوليات وفيات برلمانيات أحزاب مجتمع وظائف للأردنيين أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات مقالات مختارة مستثمرون شهادة الموقف مناسبات جاهات واعراس جامعات بنوك وشركات خليجيات مغاربيات دين اخبار خفيفة ثقافة رياضة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

الحسبان يكتب: سمو ولي العهد وتوثيق السردية الأردنية.. توجيه يحمل دلالات استراتيجية


فهد الحسبان

الحسبان يكتب: سمو ولي العهد وتوثيق السردية الأردنية.. توجيه يحمل دلالات استراتيجية

مدار الساعة ـ

لم تأتِ الدعوة التي أطلقها سمو ولي العهد الأمير الحسين بن عبدالله الثاني لتوثيق السردية الأردنية بوصفها طرحًا ثقافيًا عابرًا أو استجابة ظرفية لنقاش عام، بل جاءت تعبيرًا عن وعي سياسي متقدم بحاجات الدولة الحديثة، وبأهمية امتلاك الرواية الوطنية بوصفها عنصرًا من عناصر السيادة المعنوية، وركيزة أساسية في حماية الاستقرار وترسيخ الثقة الوطنية. ففي عالم تتنافس فيه الدول على سردياتها بقدر تنافسها على مصالحها، يصبح امتلاك رواية واضحة ومتزنة ضرورة من ضرورات البناء الوطني الواعي.

السردية الوطنية، في معناها العميق، ليست تجميعًا انتقائيًا للأحداث ولا خطابًا تبريريًا للتاريخ، بل إطارًا معرفيًا يربط الماضي بالحاضر، ويمنح التجربة الوطنية معناها المتراكم، ويعزز قدرة المجتمع على فهم تحولات الدولة وخياراتها الكبرى. ومن هذا المنطلق، فإن توثيق السردية الأردنية يمثل انتقالًا نوعيًا من الذاكرة المتفرقة إلى الوعي المؤسسي المنظم، ومن الرواية الشفوية إلى المعرفة التاريخية القابلة للفهم والتعليم والتحليل العلمي الرصين.

تبدأ المرحلة الأولى من السردية الأردنية من العمق الحضاري الذي تشكّل على تراب الأردن عبر آلاف السنين، منذ الحضارات الأدومية والعمونية والمؤابية، مرورًا بالأنباط، ثم العصور اليونانية والرومانية والبيزنطية، وصولًا إلى الفتح العربي الإسلامي الذي أعاد صياغة المكان ضمن فضائه الحضاري والثقافي الأوسع. في هذه المرحلة، لا يُقدَّم الأردن بوصفه جغرافيا عابرة في التاريخ، بل باعتباره نقطة التقاء حضاري مستمر، تشكّلت فيها علاقة الإنسان بالأرض والسلطة والمعنى عبر تراكم تاريخي متصل.

ويمثل انتقال الحكم إلى الهاشميين، المنحدرين من نسل النبي محمد صل الله عليه وسلم، محطة مفصلية في تطور الدولة الأردنية الحديثة، حيث التقت الشرعية التاريخية بالبعد الأخلاقي والقيادي في نموذج حكم يقوم على الاعتدال والرسوخ المؤسسي. ومن هذا المنظور، فإن نشوء الدولة الأردنية الحديثة لم يكن لحظة طارئة، بل تتويجًا لمسار طويل من التفاعل بين الأرض والإنسان والقيادة.

وتتتابع مراحل السردية الأردنية ضمن سياق تاريخي متماسك؛ بدءًا من مرحلة تأسيس الدولة الأردنية الحديثة وتثبيت دعائمها في بيئة إقليمية معقدة، ثم مرحلة ترسيخ المؤسسات وتعزيز الهوية الوطنية ضمن مسار البناء الوطني، مرورًا بمرحلة التوازن السياسي والانفتاح المدروس، وصولًا إلى مرحلة التحديث الشامل التي يقودها جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين، أطال الله بقاءه، والتي تنقل الدولة بثقة من نموذج الاستقرار الدفاعي إلى نموذج الإنجاز المستدام والتحديث المؤسسي.

وفي قلب هذه السردية يبرز إرث جلالة الملك الحسين بن طلال، رحمه الله، بوصفه أحد الأعمدة الرئيسية في مسار البناء الوطني، حيث استطاع بحكمته السياسية أن يحافظ على استقرار الدولة في أكثر المراحل الإقليمية تعقيدًا، وأن يرسخ نهج الاعتدال والتوازن بوصفه خيارًا استراتيجيًا دائمًا، لا موقفًا مرحليًا. وقد شكّل هذا الإرث قاعدة صلبة انطلقت منها الدولة في مسيرتها المعاصرة بثقة واستمرارية.

إن تقسيم السردية الأردنية إلى مراحل تاريخية واضحة لا يهدف إلى التصنيف الزمني المجرد، بل إلى تعزيز الفهم التحليلي للتجربة الوطنية، وتقديمها بوصفها مسارًا تراكميًا عقلانيًا، لا سلسلة من ردود الأفعال المتفرقة. كما يسهم هذا التقسيم في تمكين الأجيال الجديدة من قراءة تاريخ دولتهم ضمن سياقه الحقيقي، بعيدًا عن الاختزال أو الاستقطاب، ويعزز قدرتهم على فهم معنى البناء الوطني بوصفه عملية مستمرة لا حدثًا منتهيًا.

وفي هذا الإطار، يمكن قراءة رؤية سمو ولي العهد بوصفها امتدادًا واعيًا لنهج الدولة الأردنية الحديثة، وتجسيدًا لتفكير سياسي يسعى إلى تنظيم الذاكرة الوطنية لا إعادة تشكيلها، وإلى تعزيز وضوح الرواية الوطنية دون إخلال بثوابتها الراسخة. إنها رؤية تعكس إدراكًا عميقًا بأن قوة الدولة لا تقوم فقط على مؤسساتها، بل على وعي مجتمعها بتاريخها، وأن المستقبل يُبنى بثقة حين تكون السردية واضحة، علمية، ومتزنة.

إن توثيق السردية الأردنية، كما يُطرح اليوم، يمثل خطوة هادئة وعميقة ضمن مسار البناء الوطني المستمر، ويؤكد أن الدولة التي تدرك تاريخها بوعي ومسؤولية، هي الأقدر على حماية حاضرها، وصياغة مستقبلها بثقة واتزان واستمرارية.

مدار الساعة ـ