أخبار الأردن اقتصاديات دوليات وفيات برلمانيات أحزاب مجتمع وظائف للأردنيين تبليغات قضائية مقالات مقالات مختارة أسرار ومجالس الموقف مناسبات جاهات واعراس مستثمرون شهادة جامعات خليجيات مغاربيات دين بنوك وشركات اخبار خفيفة ثقافة رياضة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

هل تُقاس الإنتاجية بإلغاء الإجازة؟


د. محمد حيدر محيلان

هل تُقاس الإنتاجية بإلغاء الإجازة؟

مدار الساعة ـ

يتجدّد النقاش بين الحين والآخر حول عدد أيام العمل وعلاقته بمستوى الإنتاجية، خاصة في ظل الضغوط الاقتصادية التي تواجهها دول كثيرة، ومنها الأردن. ويجمع معظم المتابعين على أن رفع الإنتاجية هدف ضروري، لكن الخلاف يبقى حول الطريق المؤدي إليه، وحول ما إذا كانت زيادة أيام العمل أو تقليص الإجازة تمثّل حلًا فعليًا أم مجرد إجراء ظاهري.

الاقتصاد الحديث لا ينظر إلى الإنتاجية بوصفها حصيلة عدد الساعات أو الأيام، بل بوصفها نتيجة مباشرة لجودة الأداء واستمراريته. فالعمل الطويل لا يعني بالضرورة عملاً أفضل، بل قد يتحول مع الوقت إلى عبء حين يترافق مع الإرهاق، وتراجع التركيز، وازدياد الأخطاء، وهي أمور تنعكس سلبًا على المؤسسات حتى وإن بدا العكس في المدى القصير.

وفي هذا السياق، تؤدي الإجازة دورًا تنظيميًا مهمًا في دورة العمل. فهي تتيح للموظف استعادة توازنه، وترتيب شؤونه، والعودة إلى عمله بطاقة أكثر استقرارًا. التجارب العملية في بيئات مختلفة تشير إلى أن العامل الذي يحصل على وقت منتظم للراحة يكون أكثر التزامًا على المدى المتوسط، وأكثر قدرة على الإنجاز، مقارنة بمن يعمل تحت ضغط متواصل.

غير أن النقاش حول الإجازة لا يمكن فصله عن الواقع الاجتماعي للموظف العادي. فهناك تفاوت واضح بين أنماط الحياة. فبعض أصحاب الأعمال وكبار المسؤولين تحيط بهم منظومات دعم متكاملة؛ مديرو أعمال، سكرتاريا، وسائقون، يتولّون عنهم تفاصيل كثيرة من الحياة اليومية، ما يمنحهم مرونة عالية في الوقت والجهد. في المقابل، يعتمد الموظف الاردني البسيط على نفسه في إدارة شؤون أسرته؛ يدفع فواتير الماء والكهرباء، يشتري حاجيات المنزل، يتابع أبناءه، يشارك أقاربه مناسباتهم الاجتماعية، ويبحث في يوم إجازته عن نزهة بسيطة في حديقة قريبة أو بستان مجاور ليجدد نشاطه قبل العودة إلى العمل. هذا الفارق لا يُنتقص به من قيمة أحد، لكنه يفرض اختلافًا حقيقيًا في النظرة إلى الإجازة ودورها.

إن الطروحات التي تصدر من موقع صاحب العمل قد تبدو منطقية من زاويته، لكنها لا تعكس بالضرورة أثر القرار على من يقع عليه عبء التنفيذ. فالقرار لا يطال الجميع بالقدر نفسه، وغالبًا ما يتحمّل الموظفون تبعاته المباشرة، في حين يستفيد أصحاب الأعمال من تمديد أيام العمل وزيادة الجهد المبذول.

أما التحدي الأعمق في مسألة الإنتاجية، فلا يرتبط بعدد أيام الدوام بقدر ما يرتبط بكفاءة الإدارة، وعدالة الحوافز، ووضوح الأدوار، والانتقال من ثقافة الحضور الشكلي إلى ثقافة الإنجاز والمساءلة. فهذه العوامل هي التي ترفع الأداء فعليًا، لا مجرد زيادة أيام العمل.

في المحصلة، لا تنمو الاقتصادات عبر إنهاك الناس، بل عبر إدارة واعية لطاقاتهم. ورفع الإنتاجية يتحقق حين تُبنى السياسات من منظور شامل يوازن بين متطلبات العمل وحاجات الحياة اليومية، وحين يُنظر إلى الموظف بوصفه شريكًا في العملية الإنتاجية لا مجرد رقم في جدول الدوام. عند هذا التوازن فقط، يمكن للعمل أن يستمر، وللاقتصاد أن ينمو، وللعلاقة بين العامل والمؤسسة أن تقوم على احترام متبادل يخدم الجميع.

مدار الساعة ـ