لم يكن ما جرى في فنزويلا مع الرئيس نيكولاس مادورو حالة استثنائية في السلوك السياسي الأمريكي، بل جاء امتداداً لعقيدة راسخة في إدارة العلاقات الدولية تقوم على مبدأ احتواء الأزمات قبل أن تتحول إلى تهديد مباشر للمصالح العليا أو لاختلالات استراتيجية في النظام الدولي القائم.
فالولايات المتحدة لا تتحرك بدافع أخلاقي صرف، ولا من منطلق تغيير الأنظمة كغاية بحد ذاتها، بل تتحرك عندما ترى أن كلفة استمرار الواقع السياسي القائم أصبحت أعلى من كلفة إعادة ضبطه بأدوات الضغط السياسي والاقتصادي والدبلوماسي.أولاً: النموذج الفنزويلي… لماذا حدث؟الضغط الدولي على أحد الأنظمة في أمريكا اللاتينية لم يكن نابعاً فقط من طبيعة النظام السياسي، بل ارتبط بثلاثة اعتبارات مركزية:امتلاكه موارد استراتيجية حساسة.تموضعه ضمن محور دولي منافس.تفاقم أزماته الاقتصادية والإنسانية بما وفر غطاءً سياسياً وأخلاقياً لعزله دولياً.وهنا يتضح أن التدخل لا يستهدف الأنظمة الضعيفة بقدر ما يستهدف الأنظمة التي يتحول ضعفها إلى عامل تهديد للتوازنات الإقليمية والدولية.ثانياً: متى تصبح الدولة “مؤهلة” للضغط أو التدخل؟من خلال قراءة التجارب الدولية، يمكن تحديد خمسة محددات رئيسية تجعل دولة ما عرضة للتدخل غير المباشر:موقع جيوسياسي حساس أو موارد استراتيجية مؤثرة.أزمة شرعية داخلية أو اختلالات حادة في بنية الحكم.تدهور اقتصادي وإنساني قابل للتدويل.تموضع سياسي ضمن محاور دولية منافسة.وجود بيئة داخلية منقسمة قابلة لإعادة التشكيل السياسي.وعندما تتقاطع ثلاثة من هذه المحددات، تبدأ القوى الكبرى بتفعيل أدوات الاحتواء والضغط، دون اللجوء مباشرة إلى الأدوات الصلبة.ثالثاً: أنماط الدول في البيئة الإقليمية1️⃣ دول الشراكة والاستقراروهي الدول التي تمثل ركيزة أمنية واقتصادية في النظام الإقليمي، وتدار الخلافات معها عبر الحوار الاستراتيجي لا عبر أدوات الضغط، لما تمثله من قيمة وظيفية في حفظ الاستقرار الدولي.2️⃣ الدول الهشة وظيفياًوهي الدول التي تعاني من هشاشة مؤسساتية، وانقسام داخلي، وأزمات اقتصادية مزمنة، ما يجعلها عرضة للضغط الدولي غير المباشر عبر العقوبات، وإعادة الهيكلة المالية، والوساطات السياسية.3️⃣ الدول المتعارضة تموضعاًوهي الدول التي تتموضع خارج منظومة التوافقات الدولية، أو تتحالف مع قوى منافسة للنظام الدولي القائم، ما يجعلها هدفاً لأدوات الاحتواء والعزل وإعادة الضبط الاستراتيجي.رابعاً: هل يمكن تكرار السيناريو اللاتيني في البيئة العربية؟البيئة العربية تختلف في تعقيداتها الجيوسياسية والتركيبية عن البيئات الأخرى، ما يجعل تكرار النموذج اللاتيني بحذافيره أمراً مستبعداً. غير أن أدواته البديلة — كالعقوبات الاقتصادية، العزل الدبلوماسي، إعادة تشكيل الشرعية، ودعم الفاعلين المحليين — تبقى قابلة للتوظيف بدرجات متفاوتة.خامساً: الاستراتيجية الحاكمة للقوى الكبرى اليومالقوى الكبرى لم تعد تعتمد منطق التدخل العسكري المباشر، بل انتقلت إلى نمط “الإدارة الذكية للأزمات”، والتي تقوم على:تغيير سلوك الأنظمة لا إسقاطها.استخدام الاقتصاد كسلاح سياسي.توظيف الحلفاء كوكلاء نفوذ.إدارة الصراعات بدل حسمها.التدخل في النظام الدولي المعاصر لم يعد مرتبطاً فقط بضعف الدول، بل بوظيفتها في معادلة التوازنات الكبرى. فالدولة التي تتحول أزمتها إلى تهديد إقليمي أو دولي تصبح تلقائياً ساحة ضغط وإعادة ضبط، بينما تحظى الدول الوظيفية المستقرة بمعادلات حماية وشراكة لا مساءلة.في عالم يتجه نحو تعددية قطبية غير مستقرة، ستبقى أدوات النفوذ الناعمة أكثر حضوراً من الأدوات الصلبة، وستدار الصراعات الكبرى عبر الشرعية والاقتصاد الدبلوماسية السياسية، لا عبر الجيوش وحدها.العدوان يكتب: من مادورو إلى الشرق الأوسط.. متى تتدخل الولايات المتحدة؟
مدار الساعة ـ