عادت قضية رفع سنّ التقاعد إلى واجهة النقاش العام بعد توصيات الحوارات الاكتوارية برفعه إلى 63 عامًا للذكور و58 للإناث، في خطوة تُقدَّم باعتبارها ضرورة مالية لحماية صندوق الضمان الاجتماعي من ضغوط المستقبل. لكن بين لغة الأرقام ولغة الناس، تقف أسئلة ثقيلة لا يمكن تجاهلها.
من الناحية الحسابية البحتة، تبدو الفكرة منطقية؛ فالعالم يشهد ارتفاعًا في متوسط الأعمار، وتزايدًا في أعداد المتقاعدين مقابل عدد العاملين المساهمين في الصندوق. ومع استمرار ظاهرة التقاعد المبكر، يصبح من الطبيعي أن تبحث الحكومات والمؤسسات عن حلول تضمن استدامة الصناديق التقاعدية حتى لا تواجه أجيال المستقبل خطر الإفلاس أو العجز.لكن الواقع الاجتماعي ليس معادلة رياضية. فالعامل الذي أمضى ثلاثين أو أربعين عامًا في وظائف مرهقة جسديًا أو نفسيًا لا يرى في تمديد سنوات العمل إنقاذًا للصندوق بقدر ما يراه عبئًا إضافيًا على جسده وحياته. كما أن الشباب العاطل عن العمل قد يتساءل: كيف سنجد فرصًا إذا بقيت الوظائف مشغولة لسنوات أطول؟المشكلة الحقيقية ليست في رفع سن التقاعد وحده، بل في غياب منظومة متكاملة تراعي الفروقات بين المهن، وتخلق فرص عمل حقيقية، وتضمن انتقالًا عادلًا بين الأجيال داخل سوق العمل. فليس من العدل مساواة موظف مكتب بعمال الميدان، ولا يمكن تطبيق حل مالي دون بعد اجتماعي يحمي الناس من الإحساس بأنهم يدفعون ثمن اختلالات لم يصنعوها.الطريق الأكثر حكمة قد يكون في حلول مرنة: استثناء المهن الشاقة، التدرج الطويل في التطبيق، تشجيع التقاعد الجزئي، وخلق فرص عمل حقيقية للشباب بدل تحويل القرار إلى صراع بين الأجيال.فالضمان الاجتماعي لم يُنشأ لحماية الأرقام، بل لحماية الإنسان.ويبقى السؤال الذي لا مفر منه: هل نريد صندوقًا قويًا… أم مجتمعًا مطمئنًا؟ أم أننا نبحث عن طريقة ذكية لنحصل على الاثنين معًا؟المجالي يكتب: بين استدامة الضمان وقلق العامل… هل رفع سنّ التقاعد حلّ أم أزمة مؤجلة؟
مدار الساعة ـ