أخبار الأردن اقتصاديات دوليات وفيات برلمانيات أحزاب مجتمع وظائف للأردنيين أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات مقالات مختارة مستثمرون شهادة الموقف مناسبات جاهات واعراس جامعات بنوك وشركات خليجيات مغاربيات دين اخبار خفيفة ثقافة رياضة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

القيسي يكتب: الناطقون بلسان الملك


جمال القيسي

القيسي يكتب: الناطقون بلسان الملك

مدار الساعة ـ

انطلاقا من القاعدة الدستورية التي تنص على أن "الملك هو رأس الدولة، وهو مصون من كل تبعة ومسؤولية"، يتبادر السؤال الطبيعي: على من تقع المسؤولية في حال وقوع الخطأ، كون الخطأ صفة بشرية؟

الجواب يأتي من قلب الدستور الأردني ذاته، الذي لم يُعفِ الحكومة من تحمّل نتائج أية أخطاء تقع في السياسة الداخلية أو الخارجية، ولم يُجز للوزراء التنصّل من مسؤولياتهم حتى لو صدرت إليهم أوامر ملكية؛ إذ نصّت المادة 49 من الدستور على أن "أوامر الملك الشفوية أو الخطية لا تُخلي الوزراء من مسؤوليتهم".

وقد كانت الدنيا "أذاقتنا أفاويق استحليناها" عمراً طويلاً في برجي الثقافة والمحاماة العاجيين، "ثم جمحتْ الدنيا بنا نافرةً" حتى حطّت بنا عند شخصيات تسر وتعلن عن أوامر ملكية شفوية تم تكليفها بها. ونحن نحترم ونقدّر ونصْدع بالتوجيهات الملكية إن كانت قد صدرت فعلا، رغم عدم توافر القدرة للجميع على التيقن من حقيقية وحدود التكليف الملكي الشفوي.

في الوقت نفسه، فإن المنطق الدستوري يحتم على هؤلاء المكلفين – من خارج الحكومة – تحمّل مسؤولية أخطائهم، أسوةً بتحمّل الوزراء ورئيس الوزراء للمسؤولية الكاملة في حال قيامهم بأعمال تنفيذا لأوامر ملكية. إن أي شخص يَعْهَدْ إليه جلالة الملك شفويا بتنفيذ مهمة سياسية إنما يُمنح ثقةً ملكيةً هي تقدير لشخصه وحجم الأمل بقدرته على إنجاز ما تعهّد به بأمانة وإخلاص، ويتوجب عليه أخلاقيا احترام الإرادة السامية التي توخّت من تكليفه المصلحة الاستراتيجية العليا للبلاد.

كيف يكون احترام هذه الثقة الملكية السامية؟

يبدأ احترام الثقة الملكية السامية من عدم محاولة الشخص المكلّف تنصيب نفسه ناطقا رسميا باسم الملك؛ لأن التكليف الملكي توجيهٌ سياسي صادر عن رأس الدولة في مهمة وطنية محددة تتعلق بالمصلحة الوطنية العليا للبلاد، ولا يجوز استخدام التكليف في غير مكانه وأوانه، أو التوسع بمضمونه واعتباره تفويضا شخصيا مطلقا في المهمة موضوع التكليف. من هنا يستوجب الأمر الامتناع عن تقمّص دور "الناطق باسم جلالة الملك" أو الإيحاء بصداقة الملك ترغيبا واستقطابا أو ترهيبا وإقصاءً؛ لأن الملك في ذاكرة الأردنيين رمزٌهم السياديٌّ الأعلى ويقف على مسافةٍ واحدة من الجميع، وليس نفوذا سياسيا لطبقة ما و/أو شخصيات سياسية.

إن ارتكاب الأخطاء والكوارث أثناء تنفيذ مهمة ملكية لا يُعفي مرتكبها من المسؤولية؛ ولهؤلاء أخذ العبرة من التاريخ السياسي الأردني القريب، الذي يؤكد أن الثقة الملكية تنقلب إلى غضبٍ عارمٍ في محله حين يتجاوز أي شخص، كائناً من كان، حدود الدستور والقانون؛ وأن العقوبة الرادعة و"الإعدام السياسي" هما المصير العادل لكل من لا يتعامل مع الثقة الملكية السامية بأمانة وإخلاص.

إن المطالبة بعدم الزج باسم جلالة الملك في تفاصيل الخلافات اليومية والجدل السقيم، تنبع من وجوب احترام رمزية الملك الدستورية التي لا يجوز استخدامها أداة تفرد واستقواء بيد أي متحمس وطني ضرره أكبر من نفعه.

مدار الساعة ـ