أخبار الأردن اقتصاديات دوليات برلمانيات وفيات أحزاب مجتمع وظائف للأردنيين مقالات مختارة أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات الموقف مناسبات جاهات واعراس مستثمرون شهادة جامعات دين بنوك وشركات خليجيات مغاربيات ثقافة رياضة اخبار خفيفة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

أجيال على حافة الاختبار


الاستاذ الدكتور عبدالله سرور الزعبي
مركز عبر المتوسط للدراسات الاستراتيجية رئيس جامعة البلقاء التطبيقية السابق

أجيال على حافة الاختبار

الاستاذ الدكتور عبدالله سرور الزعبي
الاستاذ الدكتور عبدالله سرور الزعبي
مركز عبر المتوسط للدراسات الاستراتيجية رئيس جامعة البلقاء التطبيقية السابق
مدار الساعة (الغد) ـ

لم يكن التعليم في الأردن، ولا سيما الثانوية العامة، مجرد أداة تقييم أكاديمي، بل كان تتويجًا لنظام تربوي صلب صنع سمعة تعليمية احترمتها الجامعات العالمية قبل العربية. خرّج هذا النظام أجيالًا امتلكت أدوات التفكير لا مجرد أوراق اعتماد، وكان المعلم مركز العملية، والمنهاج متوازنًا، والامتحان وسيلة قياس لا أداة قلق جماعي. شكّلت الثانوية العامة، أحد أعمدة العقد الاجتماعي غير المكتوب بين الدولة والمجتمع، وأحد مصادر القوة الناعمة الأردنية في الإقليم.

كان النظام واضحًا وصارمًا وقابلًا للتنبؤ، تُبنى عليه خطط الأسر والمدارس والجامعات وسوق العمل. لم يكن مثاليًا، لكنه كان مفهومًا ومستقرًا، ومحصنًا من العبث وأحد الأعمدة الرمزية للدولة.

غير أن ما جرى مؤخراً، لم يكن تطويرًا بالمعنى المؤسسي، بل سلسلة تعديلات متبدلة بتبدل الإدارات، خاضعة لضغوط آنية واجتهادات فردية بلا أفق واضح. تحولت الثانوية العامة تدريجيًا من محطة مستقرة إلى مختبر مفتوح للتجارب السنوية، تُغيَّر قواعده والطلبة في داخله. ومع كل تعديل جديد، تآكل الإطار المؤسسي، وتراجع الإحساس بالعدالة والاستقرار، واختفى الإطار المؤسسي الذي يحمي جوهر النظام، وبدأ العقد الاجتماعي بالتآكل، لا بفعل التحولات العالمية، بل نتيجة ارتباك بنيوي في القرار التربوي، الذي أنهك الطلبة والمعلمين والمؤسسات معًا.

في التجارب العالمية الرائدة، لا يُنظر إلى التعليم بوصفه قطاعًا خدميًا، بل بوصفه بنية سيادية. الدول التي نجحت لم تفعل ذلك لأنها تملك موارد أكثر، بل لأنها حصّنت نظمها التعليمية من العبث، وأخضعتها للتقييم، وأدارتها بعقلية الدولة لا بعقلية من يدير الملف.

في فنلندا، تُدار السياسات التعليمية عبر مجلس وطني مستقل، وتُبنى الخطط لعقود، ولا يملك الوزير تغيير فلسفة النظام بل تنفيذ ما أُقر مؤسسيًا.

في ألمانيا، يخضع التعليم لإطار اتحادي صارم وتوافق طويل بين الحكومة والولايات والقطاع الصناعي، ما يجعل أي تغيير جذري مسارًا تراكميًا لا قرارًا إداريًا سريعًا.

في كوريا الجنوبية، التعليم جزء من منظومة الأمن القومي والاستراتيجية الصناعية، وأي تعديل يمر بسلسلة دراسات وتجارب مغلقة قبل تعميمه.

أما سنغافورة، فتمثل نموذجًا ساطعًا على أن نجاح التعليم لا يرتبط بحجم الدولة، بل بثبات الرؤية. منذ عقود يُدار التعليم هناك كقضية أمن قومي، بسياسات طويلة الأمد لا تتغير بتغير الوزراء، ومسارات واضحة، وتدريب صارم للمعلمين، وربط مباشر بسوق العمل، وتطوير قائم على البيانات لا الاجتهادات.

القاسم المشترك بين هذه النماذج ليس التفوق الاقتصادي، وجودة المناهج فقط، بل تحصين النظام التعليمي من التقلّب، ومن تحويله إلى ساحة استعراض إداري أو سياسي.

لهذا جاء تفوق طلبتها في الاختبارات الدولية TIMSS وPISA، نتيجة طبيعية لا طفرة عابرة.

على النقيض، شهدت الثانوية العامة في الأردن تغييرات متناقضة أشبه بالتخبط البنيوي، في عدد الفصول، وطبيعة الامتحان، وتقسيم الحقول، وإلزامية المواد، وإلغاء الإلزامية والعودة اليها، والانتقال من امتحان واحد إلى فصلين ثم أربعة فصول، ثم العودة لمناقشة الجدوى والعدالة، وصولًا إلى العبث بفلسفة التقييم نفسها.

من أكثر القرارات إرباكًا كان جعل مادة الرياضيات اختيارية، تحت شعار تخفيف الأعباء، قبل أن يصطدم القرار بالواقع الدولي، حيث لا تعترف غالبية الجامعات بشهادة ثانوية دون اختبار الرياضيات. المشكلة ليست في القرار وحده، بل في غياب الاطلاع الاحترافي على النظم العالمية.

كل تعديل قُدِّم بوصفه تطويرًا، ليكشف لاحقًا أن المخرجات تراجعت أكثر، وأن التحصيل الفعلي في الصف الثاني عشر بات، في حالات كثيرة، قريبًا من مستوى الصف الثامن، كما تشير مؤشرات محلية ودولية.

الخلل لم يكن في الطالب، ولا في المعلم، بل في قيادات تربوية أدارت التغيير بعقلية أقرب للارتجالية، بدل البناء التراكمي المؤسسي. وهكذا دخل النظام في حلقة مفرغة، نُجرّب، ونُخطئ، ونُعدّل، دون تقييم شفاف، فتتآكل الثقة، ويصبح القلق الثابت الوحيد لدى الطالب والأهل.

هذا التخبط لم يُربك المجتمع فقط، بل أنهك المدارس والمعلمين، وحوّل كل جيل إلى حقل تجارب جديد. تراجع ترتيب الأردن في مؤشرات التعلم، واتسعت الفجوات، وأُجبرت المدارس على تنفيذ سياسات لا تشارك في صياغتها. هذا النمط لا ينتج إصلاحًا، بل يراكم الإرباك.

الأخطر من التخبط نفسه هو صمت المعلمين والتربويين. في الجلسات الخاصة، يتحدثون بصراحة عن الإرباك، لكنهم نادرًا ما يجهرون علنًا، ليس اقتناعًا، بل شعورًا بأن لا أحد يسمع. هذا الصمت يحرم النظام من آلية التصحيح الذاتي. هنا أصبح الصمت جزءًا من المنظومة، لا استثناءً عنها.

رغم التوجيهات الملكية المتكررة لإصلاح التعليم، لم يتم تبنّي نموذج عالمي رائد أو تكييفه ضمن رؤية وطنية مستقرة. ففي عام 2016 أُطلقت الخطة الاستراتيجية لتنمية الموارد البشرية كمشروع وطني شامل، برؤية متقدمة نظريًا، وإعادة الاعتبار للتعليم المهني والتقني، وتوجيه الطلبة وفق ميولهم وقدراتهم، وإصلاح الثانوية العامة، وتحويلها من بوابة وحيدة للمستقبل إلى جزء من مسار أوسع. لكنها تعثرت في التنفيذ (الأخطر ان البعض من قيادات اعداد الخطة انقلبوا عليها). ما نُفّذ جاء مجزأً، وتركّز على تعديل الامتحان بدل إصلاح المسار، فتحول الإصلاح من مشروع دولة إلى سلسلة قرارات إدارية متفرقة.

في هذا السياق، عملت جامعة البلقاء التطبيقية في الأعوام 2017–2019 على اعداد نموذج عصري لتطور التعليم وفقاً لمسارات واضحة للتطور الوظيفي مدى الحياة، تحت مسمى "المسارات المهنية والتطور الوظيفي"، وتقدمت به رسمياً للحكومة عام 2019، كمحاولة جادة لإعادة بناء فلسفة المسار التعليمي برمته، عبر تقسيم طلبة الصف التاسع إلى ثلاثة مسارات فقط، مسار أكاديمي، ومسار المدارس المهنية، ومسار التدريب المهني. مسارات واضحة، ومفتوحة النهايات، قائمة على الكفايات والمهارات، يمنح الطالب شهادات مهنية، موطنه في الإطار الوطني للمؤهلات، وينسجم مع التحولات العالمية وسوق العمل الحقيقي. الأهم أنه لم يغلق الأبواب، بل أبقاها مفتوحة أمام الجميع للتطور، بحيث لا تكون للمسارات قوالب نهائية، بل مسارات ديناميكية تسمح بالانتقال والتدرج وفق الكفاءة.

لم يكن مشروع جامعة البلقاء آنذاك، اجتهادًا محليًا معزولًا، بل مستوحًى من نماذج تعليمية عالمية ناجحة، مثل النموذج الألماني، والسويسري، والفرنسي، والإيطالي، والكوري الجنوبي، وغيرها من النماذج العالمية الناجحة.

في المقابل، جرى اعتماد نظام BTEC كمسار مهني داخل المدارس، كحل جزئي. ورغم قيمته التعليمية، فإنه ليس نظامًا وطنيًا متكاملًا، ولا يحظى باعتراف جامعي موحد، ما يضع الطلبة في منطقة رمادية. هذا النظام، الذي طورته مؤسسة بيرسون، يقوم على التعليم التطبيقي والتقييم المستمر، ويُستخدم في بريطانيا ودول أخرى، والاعتراف بشهادة BTEC جامعيًا ليس تلقائيًا ولا موحدًا. في بريطانيا نفسها يُعترف به ضمن شروط تتعلق بالمستوى (Level)، ونوع التخصص، وعدد الوحدات، وغالبًا تُستكمل بمتطلبات إضافية. في الجامعات العالمية، يُنظر إليها أحيانًا كمسار تطبيقي فقط. انه لمن الضروري هنا التمييز هنا بين قيمة النظام وحدود دوره. BTEC ليس نظام تعليم مهني وطني متكامل، بل إطار مؤهلات تقدّمه جهة تعليمية خاصة، يمكن استخدامه كمسار تطبيقي موازٍ، لا كعمود فقري لسياسة تعليم مهني وطنية.

الدول الناجحة لا تكدّس المسارات، بل تختار وتحسم، وتمنح الطالب طريقًا واضحًا بنهايات مضمونة. أما الحلول الجزئية، مهما كانت جودتها، فتبقى معلّقة إن لم تُدمج في رؤية شاملة. وفي جميع الأحوال سيتم الحكم على تجربة BTEC خلال فترة زمنية قريبة، وارجو ان لا نكتشف باننا اخطائنا بحق ابناءنا.

من مقترح المسارات المهنية والتطور الوظيفي لجامعة البلقاء عام 2019، إلى BTEC، لا يمكن فهم إدخال نظام BTEC، ولا تجاهل مقترح جامعة البلقاء، إلا ضمن هذا الارتباك. الأول استيراد جزئي لنظام خارجي، والثاني رؤية وطنية لم تُستكمل إجراءات اعتمادها. كلاهما يعكس بحثًا عن مخرج دون حسم المسار.

الدول الناجحة لا تكدّس المسارات، بل تختار، وتحسم، وتُحدّد الطريقً بنهايات مضمونة. أما الحلول الجزئية، مهما كانت جودتها، فتبقى معلّقة إن لم تُدمج في رؤية شاملة.

الخلل في جوهره ليس في الخطط، بل في بعض العقول التي تديرها. بعض القيادات التربوية تعاملت مع التعليم كملف إداري قصير الأمد، وخشيت القرار، وانصاعت لضغوط آنية، ففضّلت إدارة التوازنات على قرارات جريئة لبناء المستقبل، باعتباره مهمة تاريخية. هذه العقلية لا تُنتج نظامًا مستقرًا، بل تُدير الوقت إلى أن تتراكم الأزمات.

كل خلل في الثانوية العامة انتقل مباشرة إلى الجامعات ثم إلى سوق العمل. شهادات بلا مهارات، وبطالة خريجين، وفجوة متسعة بين التعليم والاقتصاد. هنا لم يعد الخلل تربويًا فقط، بل تهديدًا مباشرًا للاستقرار الاجتماعي.

حين يفقد التعليم استقراره، يفقد جيل كامل الإحساس بعدالة الفرص، وتتآكل الثقة بالدولة، ويتصدع العقد الاجتماعي. يتحول التعليم من رافعة استقرار إلى مصدر قلق، ومن أداة بناء إلى عامل توتر، ويصبح قضية سيادية بامتياز.

في جوهره، ما يجري في الثانوية العامة ليس خللًا تقنيًا، بل اختبار لقدرة الدولة على إدارة مستقبلها. الدولة التي تغيّر قواعد التعليم كل عام، لا تُربك طلبتها فقط، بل تُربك فكرة الدولة ذاتها.

وفي قلب هذا الارتباك، يبرز سؤال مؤلم، هل كانت المشكلة يومًا في غياب البدائل؟ وكيف الخروج من الأزمة؟

ما يحتاجه الأردن اليوم ليس قرارًا جديدًا في امتحان قديم، بل قرار دولة، لتحصين التعليم من الارتجال، وتجميد التغييرات المتسرعة، وإعادة بناء المسارات لا الامتحان فقط، وربط كل مسار بضمان قبول جامعي واضح، وإشراك المعلمين في القرار، والالتزام بنموذج وطني واحد مستقر، مستلهم من التجارب العالمية الناجحة، لا مستوردًا على عجل، وإخضاع أي تعديل لتجربة محدودة قبل التعميم.

الثانوية العامة ليست امتحان طلبة فقط، بل امتحان دولة. فإما أن يُدار التعليم كمشروع وطني، وبوابة عدالة وأمل، أو أن يبقى مختبرًا مفتوحًا تُستنزف فيه الأجيال. وفي السياسة كما في التعليم، لا تُقاس الدول بعدد قراراتها، بل بقدرتها على التوقف في اللحظة الصحيحة، والاعتراف، ثم البناء بثبات.

مدار الساعة (الغد) ـ