أخبار الأردن اقتصاديات دوليات برلمانيات وفيات مجتمع وظائف للأردنيين أحزاب أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات مقالات مختارة مناسبات جاهات واعراس مستثمرون شهادة الموقف جامعات بنوك وشركات خليجيات مغاربيات دين اخبار خفيفة ثقافة رياضة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

القيسي يكتب: الثقافة والسياسة.. الوعي في مواجهة السلطة


جمال القيسي

القيسي يكتب: الثقافة والسياسة.. الوعي في مواجهة السلطة

مدار الساعة ـ

العلاقة بين السياسي والمثقف ليست علاقة بين كيانين منفصلين؛ بل علاقة كامنة داخل الفكرة ذاتها؛ فالمثقف قبل أن يكون صاحب قلم ونتاج معرفي هو صاحب موقف، وصاحب الموقف هو فاعل سياسي بالضرورة، حتى لو لم يكن سياسيا (سلطويا أو حزبيا). لذلك يمكن القول: إن كل مثقف سياسي، ولكن ليس كل سياسي مثقفا.

السياسي قد يملك السلطة، أما المثقف فيملك الوعي، والوعي أبقى أثرا في المجتمعات وأبعد نفوذا. وحين ينخرط المثقف في العمل السياسي بدافع الواجب الأخلاقي - كما عرفه (كانط) في كتاب" نقد العقل المحض"- يصبح تأثيره أطول عمرا من كرسي السياسي.

لكن ماذا يريد السياسي من المثقف؟

هو لا يريده في المشهد تقديرا منه لامتلاك المثقف ما لا يملكه غيره فحسب؛ بل لما تضيفه هالة المثقف له من قبول في المجتمع بحكم الحضور المؤثر للمثقف في الفضاء العام؛ لأن أي مشروع سياسي بلا خطاب ثقافي يظل محصورا في نطاق العادي والمكرر، ولأن أي فعل سياسي يجب أن يرافقه السلوك الأخلاقي الذي يترجمه لواقع عملي، ومن هنا، فإن السياسي يبحث عن مرجعيته الأخلاقية المعرفية التي تتحقق بوجود المثقف. حيث يمنح المثقف المشروع السياسي القبول والمعنى والعمق الاجتماعي من خلال تقديم الخطاب السياسي والثقافي التنويري.

غير أن المثقف الحقيقي لا يكتفي بإضافة المعنى، بل يسعى إلى إضافة الضمير للمشروع؛ وهنا نقطة التوتر الدائمة: السياسي يريد بهرج القول والتبرير، والمثقف يصر على تحكيم الضمير.

ولا يقف الأمر عند ذلك، بل يمتد إلى سعي الحصول على الشرعية؛ فالسياسي يلهث وراء المثفف لما يمنحه وجوده بجانبه من رمزية؛ لذلك رافق المثقفون القادة في حملاتهم عبر التاريخ؛ مؤرخون وجغرافيون ورسّامون، لا بوصفهم شهودا أو سياحا؛ بل لما يضفيه ذلك على الإسكندر ونابليون من رمزية تمنح الفعل السياسي بعدا حضاريا، وهي الفكرة التي أثارها الكاتب سمير عطالله في مقالته " تقليد الفشل" المنشورة اليوم في صحيفة الشرق الأوسط.

غير أن المسألة تتحدد بقماشة الطرفين. فهناك مثقف شجاع يحمل مشعل التنوير والنقد ويقول “لا”، فيما يقابله دعي ثقافة مرتزق يزيّن ويبرر ويقبل أن يكون تابعا. وبالمثل هناك سياسي ديمقراطي نزيه يرى المثقف مخزونا استراتيجيا وشريك رؤية لبناء وطني حقيقي، وآخر فاسد أو مستبد لا يريد المثقف إلا شاهد زور على كوارث المشروع.

في النهاية، السياسي يبحث عمّن يمنحه معنى، والمثقف يصر على أنه لا يستطيع تقديم ذلك دون أن يتقبل الضمير قبل المعنى.

وبين المعنى والضمير. تتحدد العلاقة وتنتهي؛ الثقافة تأبى أن تكون زينة على كتف السلطة، فيما السياسي يترنح وغير قادر على الإقناع.يصر على التحدث مع الجميع ولكن لم يعد يستمع له أحد!

مدار الساعة ـ