أخبار الأردن اقتصاديات دوليات برلمانيات وفيات أحزاب مجتمع وظائف للأردنيين مقالات مختارة أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات الموقف مناسبات جاهات واعراس مستثمرون شهادة جامعات دين بنوك وشركات خليجيات مغاربيات ثقافة رياضة اخبار خفيفة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

مساعدة يكتب: عيد ميلاد الملك.. قراءات تحليلية في المقالات المنشورة.. مدار الساعة أنموذجًا


جهاد مساعدة

مساعدة يكتب: عيد ميلاد الملك.. قراءات تحليلية في المقالات المنشورة.. مدار الساعة أنموذجًا

مدار الساعة ـ

ليس الذي كُتِبَ في عيد ميلاد الملك عبدالله الثاني ممّا يُفهم على ظاهره، ولا ممّا يُكتفى فيه بحُسنِ العبارة، بل هو قولٌ لا يَستبين معناه إلا إذا نُظِرَ في تأليف أجزائه، وكيف انتظم بعضُه إلى بعض. فحينئذٍ يصير مجموع القول أدلَّ من مفرداته، ويغدو المعنى ثمرةً للنَّظم لا للَّفظ وحده.

فقد كتب أصحاب الأقلام، على اختلاف مواقعهم وتفاوت مشاربهم، في الصحافة الأردنية، ومنها مدار الساعة، فجاءت مقالاتهم متقاربةً في المعاني، متشابهةً في المقاصد؛ لا لأنهم قَصَدوا التشابه، بل لأن المعنى الواحد إذا استقرَّ في النفوسِ دعا الألفاظَ إليه دُعاءً، فجاءت العباراتُ على قدره، لا تزيد ولا تنقص.

والمحبّةُ التي دلَّت عليها تلك المقالات لم تُفهم من كلمةٍ مفردة، ولا من وصفٍ معزول، بل من اجتماع معانٍ تآزرت: ذكرِ التاريخ، واستحضارِ الشرعيّةِ الدِّينيّةِ وربطِها بالإنجاز. حتى إذا تأمّلتَ الكلام رأيتَ المعنى قد تولَّد من علاقة هذه العناصر بعضِها ببعض، لا من واحدٍ منها منفردًا.

وهنا تتقدّم الدلالةُ قبل العبارة، ويتقدّم المعنى قبل اللفظ.

وفي لحظاتٍ من تاريخ الدول، لا تُعرَف القيادة بما يُقال فيها تصريحًا، بل بما يُفهم منها ضِمنًا، ولا تُقاس بما تُسند إليه من صفات، بل بما تنتظم عليه آثارها في الواقع. وعيد ميلاد الملك عبدالله الثاني من تلك اللحظات التي لا تُدرَك حقيقتُها بِعَدِّ السنين، بل بترتيب ما خلَّفته من ثقة، وما أنشأته من حضور، وما أثبتته من مكانة؛ فإذا اجتمع ذلك بانَ المعنى.

ولم تكن الكلمات التي قيلت في هذه المناسبة مجرّد ألفاظٍ حسنة، بل جُمَلًا وُضِعَت في مواضعها، وقُدِّمَت حيث ينبغي التقديم، وأُخِّرَت حيث يليق التأخير. حتى دلَّ مجموعُها على علاقةٍ متينة بين قائدٍ يقود بعقل الدولة، وشعبٍ أدرك أن القيادة الهاشمية لا تُظهر أثرها دَفعةً، بل تُنتجه تراكُمًا، وأن الثبات إذا طال كان أدلَّ على الحكمة من السرعة.

وقد ظهر دور الملك عبدالله الثاني، في مجمل ما كُتِبَ، لا بذكر صفاته سَردًا، بل بانتظام أفعاله في سياقها؛ بوصفه صانعَ توازنٍ وراعيَ استقرارٍ في إقليمٍ أَلِفَ الاندفاع. ولم يكن هذا التوازن لفظًا قائمًا بذاته، بل معنىً تولَّد من ربط الحكمة بالمصلحة العُليا للدولة، وربط المصلحة بالقرار، وربط القرار بالنتيجة، حتى إذا استقام هذا النَّظم، استقام معه فهم الدور.

وفي الشأن الوطني، لم يكن الحديث عن جلالته بوصفه صاحب إنجازاتٍ فحسب، بل بوصفه قيادةً جاء الحديث فيها عن البناء مقرونًا بالتراكم، وعن الإنجاز مربوطًا بالعزم، وعن الدولة متصلةً بالإنسان؛ إذ لا يستقيم معنى الدولة إذا انفصل عن معنى الإنسان فيها.

وأمّا في الإطار الإقليمي والدولي، فقد جاء ذكر الموقف الأردني من القضايا العادلة، وفي مقدّمتها فلسطين والقدس، ذكرًا منتظمًا في سياق الثبات. فكان المعنى أبلغ؛ إذ دلَّ تكرار الثبات في مواضع مختلفة على رسوخه، ودلَّ اقترانه بالمبدأ على أصله، ففُهِمَ الاحترامُ الدوليُّ من انتظام هذه المعاني.

وإذا تشابهت الألفاظ في تلك المقالات، فلا يُحسَبُ ذلك نقصًا؛ لأن اللفظ إذا خدم المعنى لم يُطلَب له تنوّع، ولأن المعاني إذا اتّفقت استدعت ألفاظها. فجاء التشابه دليلَ إجماعٍ في الرؤية، لا فقرٍ في البيان. فليس الفضل في حُسن الكلمة، بل في موضعها، ولا في غرابتها، بل في اتصالها بما قبلها وما بعدها.

وعليه، فإن عيد الميلاد لا يُقرأ قراءةَ احتفالٍ، بل قراءةَ تقديرٍ لمسيرة قيادةٍ إذا نُظِرَ إليها في مجموعها بانَ معناها. هي مسيرةٌ حملت الأمانة فأدَّتها، وأدارت الدولة فثبَّتها، وصانت الكرامة فحفظتها، حتى استقام المعنى في الوجدان، كما استقام اللفظ في النَّظم.

وهو موضعٌ ينهض فيه صوتُ الأردنيين نُطقًا بالوفاء، واعتزازًا مستقرًّا لا ادّعاء، فيقولون:

نعتزُّ بقائدنا، ونثقُ بحكمته، ونُجلُّ جهده، ونمضي آمنين في ظلِّ قيادةٍ جعلت الاتّزان سياسةً، والعمل الصبور سُنَّةً ماضية، وصاغت من الأردن دولةً إذا ذُكِرَت عُرِفَت، وإذا حُكِمَ عليها أُنصِفَت، وإذا نُظِرَ إليها سبق جلالُها الألسنةَ إلى العيون؛ لأن المعنى إذا اكتمل نظامُه، تجلّى في موضعه، وقام بذاته، وكفى ثباتُه عن كلِّ بيان.

مدار الساعة ـ