أخبار الأردن اقتصاديات دوليات برلمانيات وفيات أحزاب مجتمع وظائف للأردنيين تبليغات قضائية مقالات مقالات مختارة أسرار ومجالس الموقف مناسبات جاهات واعراس مستثمرون شهادة جامعات مغاربيات دين بنوك وشركات خليجيات اخبار خفيفة ثقافة رياضة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

الحتاملة تكتب: 'الدستور' من خيرِ سلفٍ إلى خيرِ خلف


رندا الحتاملة

الحتاملة تكتب: 'الدستور' من خيرِ سلفٍ إلى خيرِ خلف

مدار الساعة ـ

ليست الصحف مجرد أوراق تُطوى مع المساء، بل ذاكرة وطنٍ تنبض بالحكايات وتختزن وجوه الناس وهمومهم وأحلامهم، ومن بين هذه الذاكرة، وقفت جريدة الدستور على مدى عقود كمنارةٍ صحفيةٍ أردنيةٍ عريقة، تعرف كيف تحافظ على جذورها وهي تمدّ أغصانها نحو المستقبل.

ففي عام 2018، تسلّم الأستاذ مصطفى الريالات رئاسة التحرير في لحظةٍ لم تكن سهلة على الصحافة الورقية، زمنٌ كانت فيه المؤسسات الإعلامية تواجه رياح التحول الرقمي وتحديات التمويل وتبدّل أنماط القراءة،غير أنّ الريالات لم يتعامل مع المرحلة بوصفها أزمة، بل رآها فرصة لإعادة تعريف حضور الجريدة، فاختار طريق التجديد دون أن يمسّ روح الدستور العريقة بمظهرها الكلاسيكي التي تربّى عليها قراؤها،كنا يومها محررين نتلمّس ملامح المهنة، فتتلمذنا على يديه ونهلنا من خبرته، لم يكن رئيس تحريرٍ يكتفي بإدارة غرفة الأخبار، بل معلّمًا يؤمن بأن الصحافة رسالة قبل أن تكون وظيفة، وأن النص الجيد يبدأ من صحفيٍ واثقٍ بضميره وبمسؤوليته تجاه الحقيقة.

أدرك الريالات مبكرًا أن المستقبل لن ينتظر المترددين، فأدخل الإعلام الرقمي إلى قلب المؤسسة، لا كخيارٍ تكميلي، بل كمسارٍ استراتيجي، وشهدت منصات التواصل الاجتماعي للجريدة ثورةً حقيقية، تحوّلت معها الدستور إلى مساحة تفاعلية تصل القارئ حيثما كان، وتخاطب الأجيال الجديدة بلغتها دون أن تتنازل عن رصانتها، هكذا نجحت الجريدة في أن تمشي على حدّ التوازن الصعب، أصالةٌ تحمي الهوية، وحداثةٌ تفتح النوافذ للضوء.

لم تكن الإنجازات مجرد شعارات فقد حصدت الجريدة في عهده جوائز مهنية محلية ودولية، ورسّخت حضورها في المشهد الإعلامي، مؤكدة أن الجودة لا تزال قادرة على فرض نفسها وسط الضجيج، والأهم من ذلك، أنّ كل عامٍ كان يحمل منجزًا جديدًا، وكأن غرفة الأخبار تتنفس إصرارًا لا يهدأ،وحين اشتدت الظروف المادية التي عصفت بكثير من المؤسسات الصحفية، عبرت "الدستور" تلك المرحلة بروح الزمالة قبل أي شيء آخر، فكان القرب الإنساني داخل المؤسسة جزءًا من فلسفة الإدارة، فالجريدة ليست آلاتٍ للطباعة ولا شاشاتٍ مضيئة، بل عائلةٌ مهنية تعرف أن التضامن هو رأس مالها الحقيقي.

اليوم، يترجّل الأستاذ مصطفى الريالات عن موقع رئاسة التحرير، لكنه لا يغادر الميدان، فالصحفي المهني لا يعرف التقاعد، لأن شغفه بالحقيقة أكبر من أي منصب، و سيبقى اسمًا حاضرًا في الذاكرة الصحفية، ودليلًا على أن القيادة الهادئة قادرة على صنع تحولات عميقة دون ضجيج.

وفي اللحظة ذاتها، تتسلّم الراية قامةٌ إعلامية عرفها الوسط الصحفي عن قرب، الزميل ينال البرماوي، الذي خبرناه نائبًا لنقيب الصحفيين، فكان صوتًا مهنيًا مسؤولًا، ومثّل زملاءه خير تمثيل، وعاصرناه ناطقًا إعلاميًا لوزارة الصناعة والتجارة، مختلفًا في حضوره، واضحًا في رسائله، يحظى بإشادة واسعة من زملائه ومن كل من عمل معه.

وإن انتقال القيادة في "الدستور" ليس مجرد إجراء إداري، بل استمرار لحكاية مؤسسة تعرف كيف تصون إرثها وهي تفتح صفحةً جديدة، من مصطفى الريالات الذي عبر بالجريدة إلى برّ التوازن بين الكلاسيكية والرقمية، إلى ينال البرماوي الذي يُنتظر أن يواصل المسيرة بروحٍ متجددة تحافظ على المنجزات القديمة وتُوائم كل ماهو جديد، تمضي "الدستور" مطمئنة إلى أن المهنة ما تزال في أيدٍ تؤمن بها

فهكذا تمضي الصحف الكبيرة، من خيرِ سلفٍ إلى خيرِ خلف، فيما يبقى الوطن هو العنوان الأوسع، وتظل الحقيقة البوصلة التي لا تخطئ الطريق.

مدار الساعة ـ