في لحظات التحوّل الكبرى، لا تُقاس الدول بحجم شعاراتها، بل بقدرتها على حماية مجتمعها من الانقسام، وحماية وطنها من الانهيار، وحماية دماء أبنائها من أن تُستباح في الشوارع.
وفي زمن الربيع العربي، حيث انفجرت المنطقة دفعة واحدة تحت ضغط سياسي واجتماعي واقتصادي متراكم، وانهارت أنظمة، وتفتت دول، وتحوّل الاحتجاج في كثير من البلدان إلى حرب أهلية أو صراع مسلح أو فوضى ممتدة…كان الأردن حالة مختلفة، ليس لأنه كان بعيدًا عن الضغوط، بل لأنه واجهها بعقل الدولة وبروح الأسرة الواحدة، وبقيادةٍ رحيمة قرأت الشارع قبل أن تحكم عليه.وبعد عقدٍ ونصف تقريبًا من تلك المرحلة، بات من حق الأردنيين أن يتأملوا: كيف تعامل الملك مع الربيع العربي؟ وما الذي جعل الأردن يتجاوز العاصفة بهدوء وسلام؟الإجابة، ببساطةٍ وعمق، تتلخص في مفهوم واحد: الإنسان أولًا… ثم الدولة… ثم الإصلاح المستمر.أولاً: إنسانية القيادة… فحين كانت الدماء هي خط الدفاع الأولفي دول كثيرة، وكانت الاستجابة للحراك الشعبي هي “الأمن أولًا” بمعناه الضيق: قمع، اعتقالات واسعة، رصاص، كراهية، وإشعال صراع بين الدولة والمجتمع.فلقد كان الموقف الملكي واضحًا منذ البداية:حماية المتظاهرين وسلامتهم أولا وآخرا… لا نريد كسر المجتمع… لا نريد أن تتحول المطالب إلى معركة وجود.لم يُعامل المتظاهرون باعتبارهم “أعداء”، بل باعتبارهم أبناء الوطن الذين يعبّرون عن وجعٍ وقلقٍ ورغبة في تحسين حياتهم. وهذا فارقٌ أخلاقي سياسي هائل، لأنه يحدد طبيعة المرحلة:هل تتحول إلى حرب؟ أم إلى فرصة تصحيح؟ومن هنا جاءت واحدة من أهم الرسائل العملية في تلك المرحلة:أوامر الملك بحماية المتظاهرين، وضمان سلمية المشهد، وعدم الانجرار إلى التصعيد.بل إن الصورة التي رسخت في ذاكرة الأردنيين – والتي قد يراها البعض تفصيلًا بسيطًا – كانت ذات دلالة عميقة:توجيهات بتوفير الماء والعصير للمتظاهرين.هذه ليست “لفتة بروتوكولية”، بل عقلية قيادة تعرف أن من يقف في الشارع هو مواطنٌ أردني، لا خصمٌ سياسي، وأن الدولة القوية لا تُثبت قوتها بإذلال الناس، بل بإدارة غضبهم بعقلٍ ورحمة.إنها “الهاشمية” بمعناها التاريخي:قوة الدولة مع رحمة الإنسان.ثانيًا: نهج الآباء والأجداد… وحدة الشعب خط أحمرالأردن لم يكن يومًا دولة مصطنعة في عقل قيادته، بل دولة مشروع ورسالة وهوية، بناها الهاشميون على فكرة جامعة:الأردن وطن للجميع… والناس شركاء… والفتنة هي العدو الأكبر.لذلك، كان الملك في الربيع العربي يتمسك بمنهج واضح:حماية وحدة الشعبمنع الانقسام الاجتماعيرفض التحريض بين مكونات المجتمععدم السماح بتحويل الخلاف السياسي إلى شقاق اجتماعيولعل أهم ما فعله الملك في تلك الفترة هو أنه لم يسمح بأن يتحول الأردن إلى ساحة “تصفية حسابات” بين تيارات داخلية أو أجندات خارجية، ولم يسمح أن يتحول الشارع إلى ساحة “ثأر سياسي”، بل كان الهدف الدائم:تنفيس الاحتقان، وفتح مسارات الإصلاح، ومنع الانزلاق.هذه مدرسة سياسية كاملة:أن تكون الدولة “موجودة” بين الناس لا “متحصنة” ضدهم.ثالثًا: أوامر للحكومة… انزلوا للشارع قبل أن ينفجر الشارع،بينما كانت واحدة من أعظم مشكلات الدول الأخرى في لحظات الغليان هي أن الحكومات تنعزل وتعيش داخل مكاتبها، فتفاجأ حين تتحول الشكوى إلى غضب، والغضب إلى أزمة.في الأردن، كانت التوجيهات الملكية للحكومة والمؤسسات واضحة في معناها: الحوار… النزول إلى الناس… الاستماع المباشر… فهم الحاجات من مصدرها.لم يكن المطلوب من الوزراء والمحافظين والمسؤولين أن يكتفوا بالتقارير، بل أن يعيدوا بناء العلاقة مع المواطن:لماذا يغضب الناس؟ما الذي يؤلمهم؟ما الذي يطلبونه؟أين الخلل؟كيف تُحل المشكلات ويحترم الناس؟كان الملك يعرف أن الدولة ليست فقط “قرارات”، بل “ثقة”، وأن الثقة لا تُشترى، بل تُبنى بالصراحة والعمل والمتابعة.رابعًا: الملك بين المدن… فالأردن ليس عمّان فقطفي الأزمات، كثير من القادة يتحدثون من العاصمة، بينما المحافظات تعيش واقعًا مختلفًا: بطالة، تراجع خدمات، نقص فرص، شعور بالتهميش.لذلك جاءت جولات الملك على المدن الأردنية كجزء من فلسفة الحكم، لا كحدث إعلامي: الملك يذهب إلى الناس، لا ينتظر الناس أن يأتوا إليه.ومن يقرأ تفاصيل تلك المرحلة يلاحظ أن لقاءات الملك لم تكن مع النخب وحدها، بل مع:ممثلي المدنممثلي القرىأبناء البواديوجهاء العشائرممثلي المخيماتالشبابالمرأةالنقاباتالقطاعات الاقتصادية والتعليمية والصحيةهذه الرسالة وحدها كانت كافية لتفكيك التوتر:أن الناس يشعرون أن “رأس الدولة يسمعهم”.خامسًا: الحوار مع الجميع… لأن الأردن لا يُدار بالإقصاء...أخطر ما يقتل الدول هو الإقصاء السياسي والاجتماعي، لأن الإقصاء يصنع تطرفًا، ويحوّل الخلاف إلى كراهية.ولهذا كانت فلسفة الملك تقوم على قاعدة ذهبية: لا أحد خارج الوطن… ولا أحد خارج الحوار.الحوار لم يكن ترفًا سياسيًا، بل كان ضرورة أمن قومي.وحين يجلس الملك مع ممثلي القطاعات كافة، فهو يرسل رسالة مفادها:الدولة ليست ضد المجتمعوالمجتمع ليس ضد الدولةوالاختلاف لا يعني العداءوالمطالب لا تعني الخيانةوهكذا بقيت الدولة الأردنية متماسكة، لأن “الجسور” لم تنقطع بين القيادة والناس.سادسًا: إصلاحات دستورية وسياسية… عندما تتحول المطالب إلى قراراتالميزة الأهم في التعامل الملكي مع الربيع العربي أنه لم يكن مجرد “احتواء غضب”، بل كان تحويل اللحظة إلى فرصة إصلاح حقيقي.ومن هنا جاءت الأوامر الواضحة باتجاه:1) تعديلات دستوريةبما يعزز توازن السلطات، ويطوّر الحياة السياسية، ويؤسس لمرحلة جديدة من البناء الدستوري.2) تحديث سياسييشمل تطوير قوانين وأطر المشاركة، وتعزيز دور المؤسسات، وإعادة بناء الثقة في العملية السياسية.3) تحديث إداريلأن الدولة لا تُصلح فقط بالسياسة، بل بإصلاح الجهاز التنفيذي الذي يمس حياة الناس يوميًا:خدماتإجراءاتعدالة في التوظيفكفاءةمكافحة بيروقراطيةمحاربة الفساد4) تحديث اقتصاديبهدف مواجهة جذور الأزمة الاجتماعية:بطالة، فقر، غلاء، تفاوت تنموي بين المحافظات.5) تحديث قضائيلأن العدالة هي صمام الأمان الحقيقي، ولأن المواطن لا يشعر بالأمان إلا عندما يثق أن حقه محفوظ بالقانون.والأهم من ذلك كله: أن هذه التحديثات لم تكن مجرد “أوراق”، بل كانت مرتبطة بفكرة المتابعة والتنفيذ.سابعًا: كل لقاء كان يخرج بمتابعة… التنمية ليست خطاباتكان من اللافت أن لقاءات الملك مع ممثلي المحافظات والقطاعات لم تكن لقاءات “استماع فقط”، بل كانت تتبعها توجيهات وإجراءات:مشاريعحلولتكليفاتزيارات متابعةدعم برامج تشغيلتحسين خدماتاستكمال بنى تحتيةدفع عجلة التنميةوهنا يتجلى الفرق بين دولة تتعامل مع الأزمة “بالكلام”، ودولة تتعامل معها “بالعمل”.لذلك بقي الأردن واقفًا، لأن الناس حين ترى الدولة تتحرك، تخف حدة الاحتقان، حتى لو كانت الظروف صعبة.ثامنًا: كل ذلك وسط إقليم مشتعل… والأردن كان محاطًا بالنار،فلا يمكن فهم قيمة ما جرى في الأردن دون تذكّر البيئة الإقليمية آنذاك:دول انهارت بالكاملدول انقسمت طائفيًادول دخلت في حروب أهليةدول تحولت إلى ساحات نفوذ دولي وإقليميموجات لجوء وضغط سكاني واقتصاديتحديات حدودية وأمنيةإرهاب وتمدد تنظيمات متطرفة،،،ورغم ذلك، بقي الأردن:متماسكًاآمنًامستقرًامحافظًا على مؤسساتهمحتفظًا بوحدته الوطنيةوهذه ليست صدفة، بل نتيجة قيادة تعرف كيف تدير الأزمة بلا استعراض، وكيف تحمي المجتمع دون أن تجرحه.تاسعًا: ثم جاء الوباء… وكأن التحديات لا تنتهيلم يمضِ وقت طويل حتى جاءت جائحة عالمية قلبت الاقتصاد والصحة والتعليم والعمل رأسًا على عقب، وتركت آثارًا ما زلنا نعيش تبعاتها حتى اليوم.وهنا أيضًا ظهرت قيمة “الدولة المتماسكة”:قدرة على إدارة أزمة صحيةقدرة على الحفاظ على الأمن المجتمعيقدرة على الاستمرار رغم تراجع الاقتصادقدرة على حماية المجتمع من الفوضىوبقيت فكرة “الإنسان أولًا” هي العنوان: حماية الصحة، ثم حماية لقمة العيش، ثم حماية الاستقرار.الخلاصة: لماذا نجح الأردن في عبور الربيع العربي؟بعد عقد ونصف، يمكن تلخيص المشهد الأردني بجملة واحدة:الملك اختار أن يربح الإنسان… فربح الوطن.اختار:منع إراقة الدماءحماية المتظاهرين لا كسرهمالحوار بدل القطيعةالإصلاح بدل المكابرةالنزول إلى الشارع بدل الحكم من خلف الجدراناحتضان المحافظات بدل تركها للغضبتحديث الدولة بدل تركها تتآكلوهكذا، بقي الأردن، وسط إقليم لا يهدأ، دولةً تعرف كيف تحمي شعبها دون أن تخاف منه، وكيف تُصلح نفسها دون أن تنكسر، وكيف تعبر العواصف دون أن تدفع ثمنها دمًا وانقسامًا.بعد عقد ونصف، ماذا كانت أوامر الملك في الربيع العربي؟
مدار الساعة ـ
